صرخة من مفتى مصر الى حكام الامة لماذا لا تعلنون الوحدة غدا؟

بين الحين والآخر يخرج حاكم دولة عربية أو إسلامية ليؤكد أنه مع الوحدة ، ويطالب " زملائه " الحكام الآخرين بالالتزام بها ، لأن كل كوارثنا بسبب اختلافاتنا.. فتتساءل الشعوب : ومن إذن المسئول عن تأخر الوحدة ؟! والعلماء يقولون أن الأمة لم ولن تموت ، بل هي تستيقظ من غفوتها وتكالب الأعداء عليها أكبر دليل علي ذلك فالضرب في الميت لا يُفيد . كل هذا وغيره كان من ضمن الآراء التي طرحها كل من فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية ، والمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة في الندوة التي عقدتها بداية الشهر الجاري مجلة "التبيان" لسان حال الجمعية الشرعية بالقاهرة حول معوقات الوحدة الإسلامية .


من موقع محيط

وكعادته في الاعتماد علي النظرة التحليلية العلمية للأمور بجانب الناحية الشرعية أرجع فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية عوائق هذه الوحدة لأسباب تاريخية وأخري معاصرة يرتبط كثير منها بأولي الأمر فيقول :

- إذا جلسنا مع أصحاب القرار وسألناهم لماذا لا يعلنونها وحدة غداً ؟ ! وهذا لمصلحتهم ومصلحة كراسيهم نجد أن من دوافعهم لعدم الإعلان :

تمسك الحكام بفكرة القطرية أي أن تكون مصر للمصريين وسوريا للسوريين وباكستان للباكستانيين .. إلخ وهذه الفكرة مسيطرة علي متخذي القرار من جاكرتا شرقا إلي طنجة غربا ومن فرغانة شمالا إلي غانا جنوبا ، حتي أنه يمكن أن تتحارب دولتان في الأمة من أجل مصالح قطرية ، و حتي أنه يقال أن هناك شيء من اثنين إما وطنية أو لا وطنية ، والوطنية هنا بمعني الانتماء إلي البلد وليس إلي الأمة ، وأنه من ليس وطنيا فهو خائن !!

الشعوب الإسلامية لم تنسي يوما أمل الوحدة

- أيضاً فقدان الثقة بين الحكام لأسباب تاريخية فيقول أحدهم مثلا ، أنا أتحد مع هذا الذي دبر لاغتيالي أو هذا الذي ساعد في محاولة انقلاب ضدي أو هذا الذي قال كذا وفعل كذا ؟!

وهنا يأتي دور أهل الوعظ والإرشاد في حملهم علي تناسي هذه الخلافات والأمور الشخصية أخذاً بالمبدأ الوارد في الآية الكريمة " واعفوا واصفحوا إن الله علي كل شيء قدير " .

ومما صنعناه بأيدينا ويضيق مجالات وحدتنا هو ترسانة القوانين التي وضعناها والتي يتخذها البعض حجة لكي يعرقلوا بها أي محاولة توحيد ، فمثلا إذا سألت لماذا لا تقدم منظمة المؤتمر الإسلامي قانونا ملزما بأن تكون عملة العالم الإسلامي واحدة الدينار أو الجنيه أو أي مسمي كان ؟ ! يرد عليك بعض متخذي القرار بأن قوانين بلدي تمنع هذا ! وأقول .. لماذا لا يغير هذه القوانين .. ألم تفعلها أوروبا الآن؟!

وبال قطع الجسور



- ويضيف فضيلة المفتي في تحليله لحالة تشرذم الأمة المعاصرة أن من ضمن أسبابها أيضا :


شبكة الطرق.. ففي الولايات المتحدة لولا وجود شبكة الطرق بين الولايات الخمسين لكانت الولايات المتحدة الآن خمسين دولة وليس خمسين ولاية. وهذه الشبكة تكاد تكون موجودة بين دول العالم الإسلامي بالفعل، ولكن المسئولين يقطعونها ويضعون الحواجز لصالح مشروعات قطرية ضيقة .

أما عن اللغة العربية فإن عدم شيوعها في سائر الدول الإسلامية سبَبَّ هوة في التواصل بينها . وكانت غلطة كبيرة من المفتي أبو السعود في عهد الدولة العثمانية عندما أراد السلطان سليمان أن يحمل الناس في تركيا علي تعلم العربية والتحدث بها فقال له أبو السعود أنه لا ضير من استمرار التركية ولو كانت العربية هي لغة الدولة العثمانية ولغة تركيا الآن لكان هناك تغيرا كبيرا .

- ولا يرمي الدكتور علي جمعة باللائمة علي الحكام فقط بل أيضا يبََصِر الشعوب بخطئها ومسئوليتها فيقول :



هناك قضية تتعلق بالشعوب وليس بالحكام فقط وهي تمسك الباحثين والدارسين والمثقفين بفكر المناهج والرؤى الغربية المسيطرة علي كل مناحي الحياة سواء سياسة أو اقتصاد أو تعليم أو إعلام وغيرها ، حتى أن القائمين علي تدريس هذه المناهج يرون أن من يخالفها هو متخلف ورجعي رغم أن عندنا في الفكر الإسلامي نموذجا علميا مستقلا يستقي عناصره من الكتاب والسنة ، ويتفوق في ذلك علي المنهج الغربي المادي في أن المنهج الغربي ينظر للأمور من باب عالم الشهادة فقط ولكن المنهج الإسلامي ينظر لها بعينين عالم الشهادة وعالم الغيب .

مفتي الديار المصرية


كما أننا ننظر للأمور علي أنه يوجد إله يسيرها بينما ينظر لها الغرب علي أن الجماعة الإنسانية فقط هي التي تسيرها بما ينطوي عليه هذا التسيير من قصور في الرؤية . كما أن هذا المنهج الإسلامي يجعل الإنسان لا يسلم نفسه لشهواته بل للفروض المفروضة عليه من الله تعالي أما الغرب فيسلم نفسه ونتائج بحثه أحيانا لشهواته ورغباته كما قال له عالم النفس الشهير فرويد .

الأمة باقية مهما تخلف الحكام


ومن خبرته الطويلة في تاريخ ودوافع الصراع بين الشرق والغرب يري المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية أن الأمة عندها موروث من التخلف والهيمنة الغربية كلما أرادت النهضة يتم عرقلتها ، وهذا يجعل همنا ثقيلا وأصحاب الفكر يجب أن يضعوا سبل الخروج من عنق الزجاجة هذه .

ويقول في إشارة إلي أول مراحل تجدد الصراع بين الأمة الإسلامية وبين الغرب بعد سنوات طويلة من انتهاء الحملات الصليبية الأولي : عندما أتي نابليون إلي مصر – وهو القائد الفرنسي الذي يرفعه المثقفين المخنثين إلي مرتبة صانع الحضارة الحديثة في مصر - ارتكب مذبحة من أكبر المذابح في تاريخ مصر عندما قتل سبع الشعب المصري أي ما يوازي ساعتها 300 ألف شخص ، ولكن هذا لم يفت في عضد الشعب المصري ، ورغم خنوع قيادته الحاكمة وقتها بما فيها الدولة العثمانية فقد قامت الأمة بدورها في المقاومة التي قادها علماء الأزهر حتي الكفيفين منهم فيما سمي بثورة العميان .وقام نابليون وقتها بذبح 13 عالما ووضعهم في أشولة وألقي بهم في النيل !! واستمرت الأمة في المقاومة رغم فرار المماليك الحكام ، وانتصرت الأمة ، وفر نابليون هاربا تحت جنح ظلام الليل .

هذا النابليون راهن وقتها علي شيئين هما اللذان يراهن عليهما كل محتل في هذا الوطن حتي يومنا هذا ، و هما اليهود و إشعال الفتنة الطائفية. فبداية أرسل نداءا ليهود أوروبا بأنه كفيل إذا استطاع السيطرة علي مصر أن يؤمن لهما الإقامة في فلسطين ، فكان هذا النداء هو أول خيط للمشروع الصهيوني الجاثم علي أنفاس الأمة اليوم . وثانيا أراد إشعال الفتنة الطائفية فأتي بعملاء وخونة من الأقباط منهم يعقوب حنا الذي أطلق عليه الجبرتي يعقوب اللعين فجند 2000 قبطي ليحاربوا مع الفرنسيين ضد المصريين ولكن الأمة بزعامة علمائها وعلي رأسهم عمر مكرم أفشلوا هذا المخطط الطائفي بل والمخطط الاستعماري كله يومذاك .

ثم جاء بعد ذلك محمد علي بمشروعه النهضوي الكبير فتحالفت الدول الأوروبية رغم كل خلافتها في اتجاه تصفية هذا المشروع وبالمثل فعلت مع مشروع جمال عبد الناصر والآن تسعي لإجهاض مشروع نهضة شباب الأمة المتمثل في المقاومة بكافة أشكالها .

لماذا نحن دائما ؟!


- ويتساءل البعض .. الهند نهضت ولم يفعل لها الغرب شيئاً .. الصين نهضت .. اليابان كذلك .. فلم الحصار يلف نهضة العالم الإسلامي فقط ؟!

ويجيب الدكتور عمارة أن هذا العجب يزول إذا عرفنا أن حضارة كل من الهند والصين واليابان هي حضارة محلية لا تتخطي في تأثيرها الثقافي أو حتى التوسعي نطاق حدودها ، ولا توجد حضارات يمكن أن تمتد بنفوذها الثقافي ومساحتها الجغرافية إلا الحضارتين الإسلامية والغربية ولذا فهما المتنافستان. ويري الغرب أن نهضة الإسلام هي عدوه الأول الذي يسعى دائما إلي محاصرته قبل الفوز عليه ، هذا إضافة إلي البعد الديني القديم - الجديد والذي تشير إليه الآية الكريمة : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " .

ويحذر من الاعتقاد بأن ذلك يعني أننا المغلوبون فيقول : ولكن هذا لا يعني أنهم هم دائما المنتصرون علي العالم الإسلامي فنيأس .. لا .. فتجارب التاريخ مليئة بمشاهد وفصول الانتصارات الإسلامية التي فقط تحتاج منا إلي الاستفادة من دروسها فكما علمنا أن تكاتف الأمة من علماء وتجار وأفراد عاديين كانوا السبب في دحر الحملة الفرنسية فلنتذكر أيضا أن صلاح الدين الأيوبي قبل أن يقوم بتحرير القدس قام أولا بتوحيد الإمارات الإسلامية الممزقة حول القدس في الشام ولما أصبحت علي قلب رجل واحد هب إلي تحرير القدس وانتصر في ذلك .

الدكتور محمد عمارة

ولكن الآن حكام الأمة فرضت في استقلالها الذي انتزعه أبنائها عقب الحرب العالمية الثانية وفتحت أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية ورضوا أن تحكمهم كوندليزا رايس من البيت الأبيض . ورغم كل هذه التبعية فالأمة بخير وهو الحاصل في انتصارات الشعوب والمقاومة في العراق وكشمير والشيشان وأفغانستان و فلسطين ولبنان والصومال وغيرها ونجد أن الأمة الإسلامية هي المتزعمة الوقوف في وجه الطغيان العالمي عبر أنحاء الأرض . فالمبشرات كثيرة ويجب أن نهتم بالتربية قبل السياسة وبالأمة قبل الدولة .

الخلافة الإسلامية بثوبها الجديد



حلم عودة الخلافة الإسلامية كان و ما يزال مجال جذب وشد بين الكثير من الناس ما بين مؤيد ومعارض ولكن الدكتور عمارة تحدث عن شكل جديد معاصر للخلافة الإسلامية يقضي علي الكثير من المخاوف وخاصة مخاوف الحكام علي عروشهم فقال :

شكل الخلافة الإسلامية المعاصرة ليس بالضرورة أن يكون نفس شكل الخلافة القديمة بمعني أن تتوحد الدول الإسلامية توحدا كاملا تحت قيادة رجل واحد ، بل يمكن أن يكون هناك نوعاً من التضامن والتكامل في كافة المجالات ، وخاصة في قراراتها المصيرية ، ويكون لكل دولة حاكمها ، وتجتمع كل هذه الدول تحت قيادة اعتبارية لها قرارات ملزمة مثل منظمة المؤتمر الإسلامي ، بعد أن يُنفخ فيها الروح ، وتقوم بمهماتها كما يجب أن تكون .

المجدد الإسلامي الكبير جمال الدين الأفغاني قالها سابقا أن يكون الحكام قبلتهم القرآن متوحدين أمام الخطر الخارجي وكل ذي مُلك علي ملكه . وقال محمد عبده في شأن الخلافة الإسلامية المعاصرة أيضا أن من لوازمها إلغاء الجنسية التي صدرها لنا الاستعمار الغربي فلا يكون هناك مصري وسوري وأندونيسي بل أن يكون كل مسلم له الحق في الإقامة في أي قطر إسلامي وتسري عليه قوانينه .

واختتم المحاضرون الندوة بمطالبة الشعب الإسلامي بألا يظل يراوح في مكانه ينتظر ظهور المفاجآت والتغيرات الكبرى أو المهدي المنتظر لتتحقق كل آماله في الحياة الكريمة والتخلص من الأعداء والوصول إلي الوحدة بل لكل فرد واجبه الذي يجب عليه القيام به كخطوة من مجموع الخطوات التي تقوم بها الأمة حتى الوصول إلي التغيير المنشود فالله تعالي يقول " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...".