عقيدة تدمير العالم.. كمقدمة ضرورية لمجيء المسيح /
الشرق الاوسط / ماذا لو كان ديفيد قورش قد صار رئيسا للولايات المتحدة؟... من هو قورش هذا؟.. هو صاحب (العقيدة الدينية المتطرفة) التي يعمل اتباعها (ويجاهدون) في سبيل تهيئة المناخ والارضية والمسرح لـ (مجيء المسيح). ولقد اصطدم قورش عام 1993 بـ (FBI) فحوصر في معسكره هو ومن معه 51 يوما ثم أُحرق ومعه 73 من اتباعه. وكان من ردود فعل هذه الجماعة على (المحرقة): أن فجر تيموثي ماكفي المبنى الاتحادي في اوكلاهوما عام 1995 (ليس هناك دليل على ان قورش وماكفي قد تلقيا تعليمهما وافكارهما في جامعة الازهر بمصر، ولا في جامعة الامام في السعودية).. ما عقيدة (الجماعة الديفيدية) هذه؟.. هي ـ باختصار ـ: ان العالم قد ساده الشر، وان قورش وجماعته ملزمون عقديا بالقيام بدور في (خلاص البشرية) من الشر السائد. وان رسالة ديفيد قورش العظمى هي: ان يفض الاختام السبعة التي وردت في سفر الرؤيا كمقدمة لـ (نهاية التاريخ)، وان عدد اتباعه سيبلغ 199 ألفا وفق رؤيا يوحنا، وانه سينتقل هو واتباعه الى اسرائيل، ليقودوا حرب النهاية في معركة (هرمجدون)، وسيصعدون الى السماء ويحكمون مع المسيح الف عام.

ماذا لو حكم قورش هذا الولايات المتحدة وأدار شؤونها: بهذه العقلية وبمقتضى هذا المعتقد؟

سيمتلئ العالم رعبا وفوضى وخرابا بلا ريب.. وهذا حاصل الان، لأنه باحلال اسم (جورج دبليو بوش) محل اسم (ديفيد قورش): يتبدل الشكل والاسم فحسب، في حين يظل المعتقد كما هو، وتظل العقلية كما هي، والفارق ـ الى جانب الاسم والشكل ـ هو: نوع الامكانات وحجمها. فبينما كان قورش لا يملك الا اسلحة متواضعة، واجهزة تقنية محدودة، فإن بوش يملك اعظم الامكانات الاقتصادية والعلمية والعسكرية.. ومن هنا قلنا: ان الرعب والخراب والفوضى العالمية حاصلة الآن، وهي وقائع مفزعة: أشد ما يكون الفزع. فالادارة الامريكية تنشر الفوضى في العالم ببرهان: أ ـ ما يجري ـ على يديها ـ في لبنان والعراق وفلسطين الخ.

ب ـ تقويض النظام الدولي: من حيث القوانين التي تحكم العلاقات الدولية فقد تجاوزت بل مرقت هذه الدولة من كل قانون دولي، ومن حيث خنق منظمة الامم المتحدة حتى اصبحت في حالة احتضار.

جـ ـ التخطيط لسيادة (القوة والبطش) في العلاقات الدولية ثم مباشرة هذا التخطيط على ارض الواقع.. واذ يستقر في عقول العقلاء: ان تلك وقائع واوضاع مرعبة جد مرعبة، ومهددة ـ في الصميم ـ للأمن الدولي والسلام العالمي، فإن هذه الوقائع والاوضاع مريحة ومبهجة جدا بالنسبة للمحافظين الجدد الذين زرعوا اكبر عدو للامم المتحدة وللقانون الدولي: في هذه المنظمة الدولية، وهو (بولتون) ممثل الولايات المتحدة في هذه المنظمة البائسة، فهو رجل يجهر بأن الامم المتحدة: إما ان تكون (أداة) في يد المحافظين الجدد، وإما ان تلغى (وكان قد شكل ميليشيات لمناهضة الامم المتحدة)، وهو بذلك يترجم (تفكير) هؤلاء الناس الذين وصفهم مستشار الرئيس نكسون بأنهم (محافظون بلا ضمير).. ألم يقل مرشدهم ومفتيهم القس بات روبرتسون في كتابه: النظام العالمي الجديد.. تمهيد للنظام العالمي الإلهي ـ : «ان اعلان النظام العالمي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج ليس الا بداية لنهاية التاريخ»؟.. ونهاية التاريخ في مفهوم هذه الفئة هو: الوصول الى نقطة او لحظة معركة هرمجدون التي تسحق فيها الكثرة الشريرة، وتبقى القلة الخيرة التي تستقبل المسيح وتسعد بجنة الارض.. ألم يقل (رائدهم السياسي): الرئيس الاسبق رونالد ريغان: «في سفر حزقيال: ان الرب سيأخذ اولاد اسرائيل من بين الوثنيين ويعودون جميعا مرة ثانية الى الارض الموعودة. لقد تحقق ذلك اخيرا بعد الفي سنة، ولأول مرة يبدو كل شيء في مكانه، من انتظار هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح». بالحسابات السياسية والاستراتيجية والعقلية والمصلحية الموضوعية: ليس لامريكا، ولا لاسرائيل مصلحة مؤكدة او راجحة في هذه الفوضى العالمية الدامية التي يصنعانها، والتي يتسع نطاقها يوما بعد يوم. فسمعة أمريكا وصورتها في الحضيض على المستوى العالمي. فصورتها هي: ان امريكا عمياء لا تبصر، مستكبرة لا تصغي لنصح، مخلفة للوعود، ناكثة للعهود، كذابة في الحرب والسلم، أتيحت لها فرصة نادرة في قيادة العالم فتعاملت مع هذه الفرصة باستهتار وعبث وحمق فقادت العالم الى المهالك، ولذا أصبح الناس في العالم يصبون عليها اللعنات ويكنون لها اطنانا من الحقد والكراهية مما يوسع ـ بيقين ـ دائرة العنف والارهاب ضدها.. واسرائيل بأفعالها النازية اقامت (حواجز نفسية طويلة المدى) بينها وبين اهل المنطقة والعالم العربي الاسلامي، واغتالت فرص السلام، واوقدت جذوة المقاومة في نفوس الكافة.

واذا انعدم مقياس العقل والحساب والمصلحة فيما تفعله امريكا واسرائيل في المنطقة والعالم، فكيف يفسر سلوكهما الغريب الاحمق المجنون؟

يفسر بـ (العقيدة الايدلوجية المهووسة).. وقبل ان نقيم البرهان بل البراهين على هذه العقيدة العجيبة نستحضر نموذجين من نماذج (غياب العقل، والتضحية بالمصالح الحقيقية في سبيل اوهام ايدلوجية)، 1 ـ نموذج هتلر، فقد دمر بلاده وأذلها واشعل حربا عالمية مدمرة في سبيل وهم ايدلوجي وهو (المانيا فوق الجميع). 2 ـ نموذج الاتحاد السوفيتي، فالسبب العميق في ازمة الاتحاد السوفيتي وسقوطه هو: انه ضحى بمصالحه الحيوية وامكاناته الهائلة في سبيل (وهم ايدلوجي) وهو: نشر الشيوعية في العالم.

أما الايدلوجية التي تتحكم في تفكير قادة أمريكا واسرائيل، فإن أدلتها هي:

1ـ «ابتهجي يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملك يأتي اليك، وهو عادل ومنصور ووديع وراكب حمار، وعلى جحش ابن اتان» سفر زكريا 9/9.. (ومن تحرير الكلم ووزنه ان نقول: اننا لا ننكر عودة المسيح عيسى بن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهذه العودة من العقائد التي نلتقي فيها مع المسيحيين، لكن مسيحنا ومسيح النصارى مختلف عن المسيح الذي ينتظره اليهود.. نعم لا ننكر عودة المسيح ولكننا ننكر هذا (الخراب العالمي) الذي يخطط له ويفعله أهل هذا الهوس الايدلوجي: زاعمين بأن هذا الخراب ضرورة يقتضيها استقبال المسيح).. وكأن المسيح يبتهج بالخراب ويرتضيه: حاشاه.

2 ـ توثق الكاتبة الأمريكية جريس هالسيل المعلومة التالية وهي: ان عددا كبيرا من الانجيليين يستدلون بما ورد في سفر دانيال من العهد القديم، وسفر الرؤيا من العهد الجديد على ان الله كتب على البشرية الدخول في حرب نووية، وهي حرب هرمجدون التي بشر بها الكتاب المقدس: التوراة والانجيل (كما يزعمون). وقد اصبح ألوف القسس ـ الذين يتبعهم الملايين من الأمريكيين ـ يؤمنون بحتمية الحرب العالمية التي تدمر العالم فيظهر المسيح من ثم.

3 ـ ورد في دورية (القرن المسيحي) بتاريخ 17 فبراير 1992 ما يلي: «لقد شهدت أمريكا مع انتخابات سنة 1992 ظهور (حزب الله) بالتحالف بين اليمين المسيحي ويمين الحزب الجمهوري».. وهذا الحزب يؤمن بعودة المسيح، ولكن بعد حرب عالمية ساحقة ماحقة.

4 ـ في هذا الشهر (أغسطس 2006) يعقد حزب (شهود يهوه) ـ ومركزه الرئيسي في نيويورك ـ مؤتمرا موسعا في لندن. والنقطة الرئيسة في أجندة المؤتمر هي: التبشير بأن معركة هرمجدون قد اقترب وقتها، وستدور في فلسطين، وان قيادة لوائها ستكون في يد بني اسرائيل، وانها ستكون معركة عالمية حاسمة تميز بين أهل الخير وأهل الشر، فتبقي على الأوائل، وتهلك الآخرين هلاكا أبديا.

5 ـ يقول أرون ميلر ـ الوسيط بين العرب واسرائيل في عهد بوش الأب: «هناك خطر حينما لا يكون هناك أي فارق بين حكومتي اسرائيل والولايات المتحدة. لم يكن بوش الأول وجيمس بيكر سيسمحان بما يجري حاليا». ويقول مارتن انديك: «توجد رابطة ذات طابع ديني باسرائيل يشعر بها جورج بوش كرئيس، تجاه اسرائيل. وقد جاء بوش الابن الى منصبه عازما على بناء قاعدته المسيحية».

6 ـ ويقول فرانسيس فوكاياما ـ في كتابه الجديد: امريكا على مفترق طرق ـ: «لقد جاءت ادارة بوش الى البيت الأبيض من منطلق عقائدي متحيز ومتصلب ضد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومنها محكمة العدل الدولية. كما أساءت توصيف ما زعمت انه خطر اسلامي يواجه الولايات المتحدة.. والحقيقة ان عددا كبيرا من غلاة الداعين الى حرب العراق مثل بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وريتشارد بيرل كانوا من اليهود. ولذا كانت سياسة أمريكا تجاه العراق ترمي في التحليل النهائي الى جعل الشرق الأوسط منطقة آمنة ومروضة لصالح اسرائيل».

7 ـ ان كتاب (محافظون بلا ضمير) الذي ألفه المستشار السابق للرئيس الامريكي ريتشارد نكسون: جون دين هو اهم (وثيقة) تكشف (الخطر الايدلوجي) الذي تمثله الادارة الامريكية الحالية.. يقول جون دين: «ان اجندة المحافظين الجدد تتطابق مع اجندة اخرى متطرفة وهي اجندة الأصوليين في اليمين المسيحي. فقيادة الحزب الجمهوري الآن ـ كما الحزب الشيوعي السوفيتي سابق ـ متشبعة بايدلوجيا رسمية.. وبوش نفسه سقيم الفكر ذو شخصية يمينية متطرفة وسلطوية، وهو ومن حوله يعتقدون انهم (رسل العناية الالهية). ولقد ردد بوش عدة مرات: «ان الرب دعاه ليرشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة.. في مهمة تدخل في نطاق الخطة الالهية لتصدير الموت والخراب الى انحاء العالم لتطهيره من رموز الشر. وقد قال ـ كذلك ـ: «لقد أبلغني الرب بأن أهاجم القاعدة والعراق ففعلت.. انهم يقودون العالم الى حرب مهلكة كما فعل هتلر». فإذا تشابهت الايدلوجيات تشابهت الافعال.

عندما تعذر التفسير العقلاني الموضوعي المصلحي لسلوك قادة امريكا واسرائيل: اصبح (البعد الايدلوجي) هو المتاح في تفسير هذا السلوك المشحون بأعلى درجات الجنون السياسي والعسكري.. وتمام المقال هو: أـ ان الغلو الايدلوجي يصيب القادة الحكام كما يصيب الأفراد والجماعات. ب ـ لو أراد مؤرخ تلخيص انجازات المحافظين الجدد للخصها في هذه الجملة: انهم أحدثوا (فتنة كونية) في مطالع الألفية الثالثة للميلاد. ج ـ ان اكثر المسيحيين وكثيرا من اليهود لا يتبنون هذه الايدلوجية العمياء. وهذا مدخل جيد لحركة دبلوماسية عالمية مطلوبة تعزل هؤلاء وتحمي العالم من تهورهم، بمعنى انه على عقلاء العالم ان يتحدوا لانقاذ الكوكب من تفكير هؤلاء وفعلهم، ويجب ان يكون عقلاء امريكا في الطليعة، وإلا فإنهم لن يتورعوا عن اشعال حرب كونية، ولا سيما ان فترة رئاسة بوش تقترب من نهايتها، فشعارهم ـ من ثم ـ: اضرب قبل ان يذهب.. وحدقوا جيدا فيما يمور في لبنان وفلسطين والعراق.. و.. و.. و!!