احاديث بيروتية ساخنة



د. مشاري عبدالله النعيم
(1)
13/7/2006

صباح بيروت وهو يستقبل الصيف في غاية الفرح، تقفز الأمكنة بزوارها، فما زال في اليوم متسع لاكتشاف ما فات بالأمس ومازال هناك فرصة للغوص في اسرار المدينة الخجولة، ومازال هناك من «يتمطط» على سريره وهو يرى خيوط النهار وهي تتسلل من ثنايا ستائر الغرفة تسحبه لسماء المدينة الصافي وبحرها الهادئ (على غير العادة)...انه يوم «قائظ» لكنه جميل فالمدينة تفتح صدرها للجميع، فكما هو متوقع... بيروت تصحو على صوت العصافير، تغنى لها انشودة الصيف الجميلة، ففي هذا الوقت من كل عام تستعيد بيروت نشاطها وتتحول إلى مدينة «متروبولية» تصطك فيها الاكتاف وتمتلئ بالناس الشوارع...


تغني المدينة الخجولة للصيف

تنثر زهورها على الأرصفة

وتتحول المقاهي إلى أمكنة صاخبة...

ويشعل الناس شموعهم...

فليالي الصيف «عاصفة»...

وتبقى المتاجر حتى الفجر

يختلط الليل بالنهار

وكأن عقارب الساعة واقفة...


صيف بيروت يشعل ليل المدينة يجعل كل اوقاتها متحركة... مدينة تعشق الصيف وترحب بالليل... تنتظر حرارة الصيف لتستمد منها طاقتها... البحث في «اركيولوجية» زمنية للمدينة تجعل من فكرة «الزمان» الدائرة الأهم في صناعة المعنى المكاني... تتبدل هذه الأركيولوجية في مدينة تعيش حالة توتر، فالزمن هنا يظل حالة مجازية يصعب التكهن بالمعاني التي سوف يصنعها... بيروت «حالة زمانية» لها وقعها الخاص، فلكل فصل في السنة معانيه المكانية... تتحرك المعاني بتحرك الفصول وتبقى الامكنة في شكلها «الأبدي» في حالة تلبس جديد ودائم للمعاني الجديدة.


تغني عصافير المدينة للصباح...

قبل اشعة الشمس الساخنة...

وأطفال المدينة يجوبون الشوارع وتمتلئ بهم الساحات

وكأنه لم يمر بهم ليل

فالمدينة كلها «ساهرة»

والفتيات الصغار «متبرجات»

تمتلئ بهن الدروب

وجوههن ضاحكة...

آه... ما اجمل المدينة عندما تبتسم...

عندما تضحك...

عندما تكون عاشقة...


(2)

14/7/2006

اشعر بفرح المدينة وهو ينتحر على صوت المدافع، يعود الليل إلى عتمته وتختفي من طرقات المدينة ضحكات الطفولة... كيف يتبدل المعنى بهذه السرعة وكيف تختفي ملامح المدينة وراء ألمها الموجع... بيروت في حالة الحرب تنفض عنها احتفاليتها وتستعد للمعركة «فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة»...تتخفى فيها الابتسامة وتصمت فيها العصافير ويتحول صباحها إلى جحيم... يصبح لكل الأمكنة معنى واحد، لايحث على الحياة تختفي فيه كل التفاصيل التي تجعل من المدينة فضاءً مفتوحاً للحياة...


لا تحزني بيروت...

فكل قطرات الدماء...

التي تسكبين

حروف محفورة...

على الجبين

سنقرأها كل صباح

ستحاصرنا كل حين...

ستتحسسها اصابعنا

وستقول لأبنائنا...

انك أكبر من أن تقهرين...


(3)

15/7/2006

للصيف موعد مع بيروت، فهذه المدينة الساخنة تتنهد بحسرة وهي تقف دائما على خط النار، تتجاذبها كل القوى وتخدش عذريتها المدافع وتشوهها قذائف «الدبابات» و«الطائرات»، مدينة تعيش الحرب، هكذا بروح «مرحة» وكأنه لم يحدث شيء... لكنها تنزف من الداخل، لا تريد ان يكتشف المها احد، لاتريد ان يرى ضعفها أحد. يغيب عن روحها المرح وتظل في حالة حزن دائم، مكتوم... المدينة في حزنها تلبس امكنتها رداءً اسود، لاتفصح عن مكنونها، تئن في صمت، لاتريد أن يشاركها الحزن احد...


بيروت...

ابحثي في دفاترك القديمة...

فما زالت ذاكرة الحرب الأليمة...

ومازلت مدينة عظيمة...

ابحثي في «مجزرة قانا»

وفي تاريخك الممتلئ عزيمة..

لاتنكفئي.. لا تستسلمي

فأيامك قادمة

وانتصاراتك أكيدة...


(4)

تنكسر المدينة عندما تشعر بالجحود...عندما تغلق امامها المنافذ وتبنى حولها السدود...تبلع دموعها فما عاد للبكاء نفع وما عاد للحزن حدود... ذاكرة المكان في المدينة متراكمة، مثقلة تتجاذبها الصور والبشر وتتبدل فيها الحكاية فساعة تملأها السعادة وساعة يحاصرها «الجنود»... أمكنة المدينة تحكي دون ان تتكلم فكل جدرانها «سرديات» طويلة، وكل احجارها غرام ووعود... وهناك في الزوايا تقبع حكايات حزينة وبعض نغمات «لعود» ... بيروت (في الحرب) لا تقف لا تقبل حالة الجمود...


مدينتي الجريحة...

قد تعودنا الجروح...

وأصبحت اجسادنا بلا قيمة...

وفقدنا كل روح...

لاتحزني...فما عاد للحزن صروح

وماعاد في قلبي لك كلمات

وما عاد هناك «بوح»

مدينتي...هناك غصة في الحلق..

ودمعة في القلب

وفكر شارد...

وفضاءات «ثكلى»

وعدو «لحوح»


(5)

16/7/2006

لاتحزني بيروت...

فما عاد حزن يفيد...


صرت ابحث في أوراقي «المعمارية» عن تشخيص للمدينة وهي تحارب واكتشفت انها مثل أي كائن مصاب «بفيروس» فهي تقاوم لكنها مهدودة من المرض... تتفكك اوصال المدينة في حالة المرض وتتنكر الأمكنة لبعضها وتظهر حالة «التقسيم» وتتصاعد عبارة الشمال والجنوب والشرق والغرب وتتشكل «الثكنات» لتحيل الأمكنة إلى فضاءات «مروعة» بعد ان كانت تستقبل الحياة. تختفي الابتسامات والضحكات وتبقى الملامح المتجهمة تحاصر الطرقات... تتراجع الهوية الواحدة وتولد هويات متعددة ...المدينة في حالة المرض، تفقد وهجها الذي تزرعه في القلوب ويختفي عشقها من كل العيون ويتناثر فيها الناس بين «الغرف المعتمة» وبين الظنون...

لاتحزني بيروت

فأبناؤك لم يخلقوا بعد

ولم يعرفوا دروبك بعد

لم «يشموا» رائحة جدرانك العريقة

لم تحضنهم زهور الياسمين

لم يسمعوا صرخاتك...

لم يوجعهم الانين...

بيروت... انتظري

فمجدك في حالة ولادة متعسرة...

ككل المدن المدن العربية

ضاقت بها السماء

مكسورة كأنها سجين


(6)

17/7/2006

بيروت...

يدفعني لك حنين...

ويشدني لصباحاتك الرائقة

نسمة متوسطية..

رغم المدافع...رغم «الطنين»

ورغم ألف ألف من رصاصات الجبناء

وألف ألف من «المتصهينين»

بيروت لا تحزني...

فرغم جراحاتك التي تنزف ألما اسود

ستضيء منائرك

وستعود لبحرك ابتسامته المعهودة

وسيكتشف ابناؤك حتما انهم «اسود»

وأنك لهم «عرين»

(7)

يجبرني حزن بيروت، ككل المدن العربية الحزينة، على البقاء في حالة «صمت» حتى عن التفكير، فما الذي يجعل مدينتي مستباحة، وما الذي يجعل تاريخها دون «رصيد» ودون إضافة ... انها حالة تتكرر حتى صرت ابحث عن لحظات «استفاقة» ... اسئلة اعجز عن التفكير فيها فذاك خطأ تاريخي وذاك حلم توقف وتلك شعارات اوهمتنا اننا قد دخلنا بوابة الكرامة... ما اكثر الاسئلة التي تجول في خاطري وما اصعب ان اجد لها «إجابة» ... لكنها «مدينتي» وكل مدينة عربية «مدينتي» فلا مناص منها إلا إليها ...فإن حزنت حزنت وان فرحت فرحت وانقشعت عن سمائي «سحب التعاسة»..

جريدة الرياض السعودية...السبت 26 جمادى الآخرة 1427هـ - 22 يوليو 2006م - العدد 13907