صرح بوش في أيار من هذا العام ، ان مهمات الحكومة العراقية تقضي (( بمهاجمة المليشيات وتوفير الأمن للشعب العراقي )) ! .
ويصعب على المتتبع للشأن العراقي ان يفترض ان الرئيس بوش جاد في هذه المطالبة ، ام انه يرغب فعلا في إنهاء دور المليشيات الإجرامي في العراق ، بمعاقبتها او حلها او مطاردتها على جرائمها ، لسبب بسيط جدا ، هو ان هذه الظاهرة هي صناعة أمريكية بامتياز ، وأنها قدمت خدمات كبرى للاحتلال ، مهدت بها الارض في احوال كثيرة لقواته ، وأنها تقدم المعلومة الاستخبارتية الصادقة والكاذبة بين يدي كل هجوم على بلدة تقاوم الاحتلال ! .
وقد صار معلوما ان الحديث عن حل المليشيات وتفعيل قرار برا يمر بهذا الشأن هو حديث عن مكافأتها بمنحها ( الشرعية )) والزي والأسلحة والعجلات والسطوة وحرية الحركة ! .
وهنا اراد رئيس الحكومة المالكي ان يجمع بين المطلبين ، مهاجمة المليشيات ، ودمجها في الأجهزة الحكومية في ضربة واحدة ، ليرضي بوش من جهة ، والائتلاف الشيعي من جهة ثانية ، فكيف حقق ذلك ؟ !
عاد المالكي من جولته الخليجية ، وجمع مجلس الوزراء على عجل وخرج على العراقيين ليعلن ان بعض قوات الشرطة تقوم بجرائم تصل الى حد الشراعة في القتل والاختطاف وسمى ( جهاز حماية المنشآت ) FBS بالاسم ، معتبرا ان هذا الجهاز لم يقم بواجبه في حماية الدوائر الحكومية ، التي يقبض أفراده رواتبهم منها ! وان هذا الجهاز يحتاج الى مراجعة كبيرة وتصحيح وهيكلية ، فماذا اقترح المالكي ليصحح ويراجع ويجري الهيكلة على هذا الجهاز ؟!
هو لا يسمح – كما صرح – ان يتحول جهاز حماية المنشات الى مليشيا ، فتوصل الى حل يختصر به الطريق ، ويعاقب أولئك المتهمين بالقتل والاختطاف ، والحل هو ان يدمجهم بوزارتي الدفاع والداخلية ! ، مفترضا ان علينا ان نصفق لهذا القرار التاريخي ولتلك الجرأة والصراحة والحسم في مواجهة المجرمين ! .
ويعلم الجميع ان هذا الجهاز الذي يقدر عدد أفراده بنحو ( 160 ) الف عنصر ، هو واحد من أهم روافد فرق الموت ، وان الغالبية العظمى من المنتسبين اليه هم من أفراد جيش المهدي والصدريين ، على وفق صفقة سابقة تمت قبل ان تتولى حكومة الجعفري مهامها بأسابيع قليلة ، زج بمقتضاها بأفراد فيلق بدر الى مغاوير الداخلية ، فيما اعطي جهاز حماية المنشات الى مقتدى الصدر !
كان أطراف هذه الصفقة هم الامريكان ومراجع النجف ، وقائمة الائتلاف الشيعي .
وبهذه القسمة ، فقد تمكن الصدر من تحقيق حلمه الكبير ، الهيمنة على المؤسسات الخدمية التي تدر على أتباعه الرواتب الثابتة ، وتمكنهم من الارتزاق بالهبات والرشاوى والسرقات فضلا على قبض الفديات من اسر المختطفين ، والدخول بفعالية في صفقات بيع وشراء أولئك المختطفين ، والتي تمارسها المليشيات الصريحة ، والتي ترتدي الزي الرسمي ! ومن جهة ثانية ، فان وجود أولئك ( الصدريين ) في تلك الدوائر والمؤسسات التي ( يحمونها ) تمكنهم من جمع المعلومات الاستخبارية عن المقاومين بالخصوص وأهل السنة عموما ، واستهدافهم وتقديم قوائم بأسمائهم الى جهات تنفذ فيهم أحكام الموت والاختطاف ، كما يحصل على نطاق واسع في دوائر ومؤسسات ومستشفيات وزارة الصحة والتربية والتعليم العالي ! .
اما خطة المالكي الجريئة ، فانها ليست بالجديدة ، فان دمج الـFBS في أجهزة الداخلية ، مطلب أمريكي واتفاق سابق مع وزارة الداخلية والائتلاف ، ففي وثيقة تسربت من وزارة الداخلية ، في أيام صولاغ الأخيرة بتلك الوزارة دليل على ذلك .
الوثيقة ذات الرقم 394 / 4 الصادرة في 6 نيسان من هذا العام ، والتي وقعها عن الجانب الأمريكي الجنرال مارتن دميمبسي ، وعن وزارة الداخلية باقر صولاغ ، وعن الدفاع سعدون الدليمي ، تأمر بدمج 1117 ضابطا من مليشيا بدر في وحدات وزارتي الداخلية والدفاع ، تنفيذا لأمر صدر عن رئيس الوزراء السابق الجعفري ، وقد علق صولاغ باعتباره رئيس لجنة الدمج فضلا على وظيفته كوزير للداخلية في هامش تلك الوثيقة : بان الضباط من مليشيا بدر ، الذين هم برتبة عميد وعقيد ومقدم يحالون الى وزارة الداخلية عند دمج FBS ( جهاز حماية المنشات ) والحدود ! .
وقد آن أوان تنفيذ ذلك الاتفاق ، لكن المالكي قدم لذلك بمسرحية مكشوفة ! ، والغريب في تصريح المالكي الثوري انه يصف العناصر المتهمة بالأجرام ، بأنهم ممن جندهم الامريكان ، في جهاز حماية المنشات ! اعتمادا على صبر الامريكان على الشيعة وقبولهم لأهداف تكتيكية – بتحمل بعض التبعات والتهم ! .
هذه المسرحية المكشوفة بدمج المليشيات الطائفية الإجرامية في الدوائر الأمنية والعسكرية ، قطعت الطريق على الذين يعترضون على هذا الإجراء بل ويطالبون بـ( تطهير ) تلك الدوائر من المليشيات ، فالمالكي يتحدث عن جهاز كان في طوره الى التحول الى مليشيات ، وهو يضع لهذا الجهاز مرجعية حكومية ، بدلا من المرجعيات المتعددة التي ينتسب إليها أفراد ذلك الجهاز ! وبهذا فانه لم يدمج مليشيات بل دمج أنصاف شرطة في وزارة الداخلية ! .
وهذه المسرحية المكشوفة ، هي ايضا بمثابة طوق نجاة لجيش المهدي ، تنقذه من وضعه المتأزم الذي أوصله اليه قائده سماحة السيد ، ومسؤولي مكاتبه في بغداد والمحافظات ، بعد تحول هذا الجيش الى عصابات تعمل في جزر منعزلة ، لحسابها الخاص في أحيان كثيرة ، وان لم تنس دفع ( الخمس ) للسيد من واردات القتل والخطف والابتزاز والسرقة ! .
كان صولاغ كلما حاصرته وقائع جرائم شرطته ومغاويره ، ينتهزها فرصة لإبعاد بعض الضباط من اهل السنة في الوزارة ، متخذا منهم أكباش فداء .
اما المالكي فكانت خطواته أوسع وإنجازه اكبر ، فهو فضلا على تخلصه من الاستحقاقات القانونية التي عليه دفعها بسبب جرائم جهاز يحسب على الشيعة وعلى قائمتهم ( الائتلاف ) ، فانه زج بعشرات الآلاف من المجرمين المحترفين الى الداخلية ، ليضمن هيمنة أوسع لإتباع ( مذهب آل البيت ) على رقاب المسلمين وعلى أموالهم وأعراضهم ! .