قراءة لورشة العمل حول التعليم المعماري في الوطن العربي (بيروت 23-25/3/2006)
د. مشاري بن عبدالله النعيم

منذ زمن ونحن نتحدث عن هوية العمارة العربية ومنذ امد طويل ونحن نختلف ونتفق حول هذه الهوية على أننا لم نقف مرة ونسأل انفسنا عن آلية انتاج هذه العمارة التي نريها، لم نحاول ابدا ان نتحدث عن آلية انتاج المعماري نفسه في وطننا العربي الكبير. ورغم أن هذه الأسئلة الكبيرة لم يسألها أحد إلا انها كانت دائما حاضرة في الذهن كقضايا مؤثرة. في هذه الورشة التي تعقدها هيئة المعماريين العرب حول التعليم المعماري يمكن اعتبارها نقطة تحول في رؤيتنا للعمارة العربية كونها تركز على مصادر انتاج العمارة وتحاول ان تقيم منتجيها والمؤسسات المسؤولة عن تعليم العمارة. في هذه الورشة يمكن أن نشعر بأن هناك "بارقة أمل" و "ضوء في نهاية نفقنا المظلم" كونها ورشة لم تعرف خطوطا حمراء تقف عندها، ابتعدت عن كل ماهو غير معماري فاكتشف الحضور ان كل ما يحيط بهم يمس العمارة، لذلك فقد كانت الورشة مفتوحة على كل القضايا "المدينية". كانت المحاور نقدية إلى درجة رسم المشاكل التي يعاني منها التعليم المعماري في وطننا العربي فظهرت الحوارات ثرية وغنية تجمع لأول مرة تجارب تعليمية في العمارة من اقطار عربية مختلفة. على ان اهم ما طرح في هذا الحدث الهام هو أننا بحاجة إلى "وحدة عربية معمارية" ربما لتعوض فشلنا الذريع في الوحدة السياسية والاقتصادية. لقد عبر الجميع عن الرغبة في هذه الوحدة من خلال بناء مؤسسات عربية (ربما تتبناها هيئة المعماريين العرب) للتقييم والتعيير تضمن سيولة الثقافة المعمارية وتحافظ على حد ادنى من الجودة في تعليمها.

يمثل التعليم المعماري اشكالية "ابستمولوجية" تتمثل في الاطار الذي يمكن ان يجمع ما بين برامج العمارة المختلفة وما يمكن أن يعنيه هذا "الجمع" أن امكن اصلا وضع اطار موحد لما يمكن أن نسميه "التعليم المعماري في الوطن العربي". أنها إشكالية تغوص في مسألة التكوين، كما يسميها المعماري رهيف فياض (رئيس هيئة المعماريين العرب)، فعلى حد قوله "المعماري يتكون ولا يعلم". لعلنا ننطلق من هنا، من فكرة التكوين التي قد تكون أحد إشكاليات التعليم المعماري لأن مفهوم التكوين يمتد إلى خارج "الجامعة" ويتفلت من "الأكاديميا" إلى التداخل مع عناصر التعلم التي تصنع المعماري، وهي عناصر تمتد لتشمل ما يسميه المعماري ابراهيم ابا الخيل (رئيس تحرير مجلة البناء) "المدينة المعلمة". فهو يرى ان المعماري يتكون من خلال ما تقدمه المدينة له من احتكاك مباشر بالمعرفة الانسانية بشتى انواعها وتجعله يستثمر "الاكاديميا" في التحريض على التداخل مع المدينة بعمق. أي ان التعليم بصيغته الاكاديمة المنهجية المحضة لا يكفي ابدا لـ "تكوين المعماري" كما يصوره رئيس هيئة المعماريين العرب وكما يؤكده رئيس تحرير مجلة البناء. في ورشة العمل التي عقدتها هيئة المعمارين العرب بيروت ظهرت إشكالات "منهجية" عدة حول التعليم المعماري الذي يبدو أنه يواجه ضغوطا كبيره كونه تعليم فيه بعض "إلإنفلات" الذي يعبر عن إنفلات المعماري من القيود ومن التقيد بالمعايير، فمازال هناك متسعا كبيرا للتفرد في "منهجة فلسفية" تدفع للتميز بين مدارس العمارة المختلفة. الأسئلة التي تطرحها الندوة هي: هل التعليم المعماري في الوطن العربي يمثل حالة واحدة أم انه حالات متعددة، وهل ينطلق من هوية واحدة أم أنه يعبر عن هويات متعددة؟


نقد البدايات: التعليم المعماري وإشكالات الحداثة في الوطن العربي
لعل التساؤل حول بدايات التعليم المعماري في العالم العربي يقربنا من تفكيك الاشكالية "الابستمولجية" كونها تساؤلات حول الحداثة وانطلاقتها في هذا الجزء من العالم. ربما لم تكن العمارة وتعليمها ضمن "اولويات" المشروع النهضوي الذي تبناه محمد علي (والي مصر) في النصف الاول من القرن التاسع عشر إلا انه بكل تأكيد وضع البدايات الحقيقية لما يمكن أن نسميه "تعليم معماري" عندما تأسست "المهندس خانة" في تلك الفترة ظهرت مفاهيم مدينية في التعليم لم تكن معروفة من قبل. لقد تحدث الدكتور هشام جريشة (من مصر) عن عصر محمد علي ومكتسباته التعليمية التي مهدت للخديوي اسماعيل بعد ذلك لتخطيط القاهرة (الاسماعلية)، فالبعثات التعليمة إلى باريس (على مبارك وزير الاشغال في عهد اسماعيل ورفاعة الطهطاوي وحس المديني المتدفق) تركا اثرا بالغا على مفهوم العمارة والهندسة في المنطقة العربية برمتها بعد ذلك ومع ذلك لايمكن أن نؤكد أن احداث ذلك العصر هي التي دفعت بالتعليم المعماري في الوطن العربي للوجود إذ ان البدايات الرسمية لهذا التعليم كان في العشرينات من القرن العشرين وهو ما يستحضر "تأثير الاستعمار" التعليمي على وجه الخصوص الذي مهد لحداثة المدينة العربية خلال النصف الاول من ذلك القرن. يشير الدكتور جورج عربيد (من الجامعة الامريكية في بيروت) إلى تشكل الثقافة المعمارية في لبنان وسورية منذ العهد العثماني مرورا بالانتداب الفرنس إلى بناء "شخصية المعماري" التي لم تكن ذات اهمية في ثقافتنا التقليدية (وهو الأمر الذي لم يمكننا من بناء تاريخ معماري شخصاني. يشاركه في هذا الصدد الدكتور شادي غضبان (من جامعة بير زيت بفلسطين) الذي تحدث بإسهاب عن التعليم المعماري في فلسطين في ظل الاحتلال الاسرائيلي. من الواضح ان محور الورشة الأول يثير العديد من الاسئلة حول الحداثة العمرانية في الوطن العربي التي يبدو انها حداثة "إستعمارية" احدثت شرخا عميقا في المفاهيم مازلنا نعاني منه حتى وقتنا الحاضر.

"منهجة" التعليم المعماري: نقد التجربة العربية
تظهر الحاجة إلى نقد تجربة التعليم المعماري في الوطن العربي ملحة ومهمة فهي فإذا ما اردنا ان نعوض خسارتنا الكبيرة في عدم بناء مجتمع يتذوق العماري، فأنه ينبغي علينا الذهاب إلى ابعد من مجرد نقد التجارب التعليمية بشكل "شمولي" فالذي يظهر لنا من المحاضرات التي قدمها كل من الدكتورة سوسن الطوخي والدكتور محمد الهمشري (من مصر) والدكتور مارون الدكاش (من الجامعة اللبنانية الامريكية) والدكتورة ليلى البسطامي (من الاردن) أن التوجه النقدي برمته إلى البرامج بدلا من نقد Process (عملية تكوين المعاري) و product (المعماري نفسه اثناء الممارسة أو بعد التخرج). ويبدو من الاسئلة الغائبة مثل: هل من يدرس العمارة في الوطن العربي هم من الراغبين فعلا في دراسة العمارة؟ وهل تتيح المدينة العربية وتجربتها العمرانية فرصة التكوين الذي تحث عنه كل من رئيس هيئة المعماريين العرب ورئيس تحرير مجلة البناء؟ كما يمكننا مساءلة توثيق العمارة والنشر المعماري الذيس يمكن أن يساعدنا على نقد البرامج بدلا من الرؤية المعزولة (أو الاكاديمية الصرفة) التي قدمها المحاضرون. منهجة التعليم المعماري في الوطن العربي بحاجة إلى ابعد من مجرد تصميم البرامج التعليمية لأن هذه البرامج تظل بعيدة عن الواقع المعاش طالما انها مبنية على قاعدة معلوماتية ونقدية غير واضحة، ومع ذلك لابد ان نشيد بما قدمه المحاضرون من رؤى نقدية اثارت العديد من "المخاوف" حول مستقبل التعيم المعماري في الوطن العربي وحفزت الحضور على تبني معايير وأطر عامة "كحد ادنى" لضمان الجودة في عملية التعليم.


مقال نشر في مجلة البناء العدد 187 (ابريل 2006)