السلام عليكم
لقد تناقلت الاخبارعن العرب ما قبل الاسلام بأنهم كانوا جهلة لا يعرفون الكتابةوالقراءة وأنهم كانوا بعيدين عن كل مدنية او حضارة انذاك,والحق ان العرب كانوا على علم ومعرفة بالحرف والكتابة والفلك والتاريخ,إلا انهم كانوا فعلاً في جاهلية دينية ولم يكن لهم كتاب سماوي,وكانت اليهود والنصارى _وخاصة اليهود_ يعتبرونهم من الغوييم أي الاميين _الذين لا كتاب سماوي عندهم.
والدليل على أنهم كاتوا يعرفون الحرف والكتابة والتدوين,الاثارالتي وجدت ومنها الشعر المكتوب على قبر ملك الشعر إمرئ القيس,واسواق الشعر _عكاظ وذي المجنةوغيرها,والمعلقات التي دونت وكتبت بماء الذهب ,والاحلاف والعهود التي كانوا يعقدوها ويبرموها ومآثرهم في الغزو والسبي والقتال فيما بينهم,وقد برع كثير منهم ,فهذا أُمية بن أبي الصلت وورقة إبن نوفل ,وكذلك كتبة الوحي بعد البعثة وطلب الرسول عليه الصلاةوالسلام من اسرى بدر تعليم أبناء المسلمين...فهذا كله يدل على انه كان منهم من يجيد الكتابة والقراءة,فهم لو يكونوا أميين بالكلية,وكانوا على معرفة بالفلك والحساب ,وهم لم ينكروا على القرآن عندما ذكر النجوم في قوله تعالى:" فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّس",وقوله تعالى:" وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ",فهم كانوا يعرفون النجوم واسماءها ومواقعها,وكانوا يهتدون بها في ترحالهم وتجارتهم ,وكانوا يعرفون الحساب والسنين,والايام والشهور والفصول ,فالله سبحانه وتعالى يقول :" إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ".
واما موضوع الامية ومعناها في القرآن فإليك التفصيل:
لقد وردت لفظة أُمي في القرآن الكريم في ستة مواقع وهي:
1."وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتابَ إِلاَّ أَمَانيَّ وَأَنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ"سورة البقرة/ 78.
2."الَّذينَ يَتَّبعُونَ الرَّسُولَ النَّبيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوراةِ والإِنجِيلِ"سورة الأعراف/ 157
3."فَأَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولهِ النَّبِّي الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلمَاتِهِ وَاتَّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" سورة الأعراف/ 158.
4."فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبعَنِ وَقُل للَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَالأُمِّيِّينَ أأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلمُوا فَقَدِ اهْتدَوا وَّإِن تَولَّوا فَإِنَّمَا عَليْكَ البَلاغُ واللهُ بَصيرٌ بِالعِبَادِ"سورة آل عمران/ 20.
5."ذَلكَ بِأَنَّهُم قَالُوا لَيْسَ عَليْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"سورة آل عمران/ 75.
6."هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهَم آيَاتهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ"سورة جمعة/ 2.
قال الاصفهاني:"والأمي: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب",وقال ايضًا:"الأمية: الغفلة والجهالة، فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة"..قال الفراء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب,قيل: منسوب إلى الأمة الذين لم يكتبوا، لكونه على عادتهم كقولك: عامي، لكونه على عادة العامة، وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه، واعتماده على ضمان الله منه بقوله: "سنقرئك فلا تنسى"[الأعلى/6].
وقيل: سمي بذلك إلى أم القرى.
من الواجب ملاحظتة ان آلايات التي تذكر النبي محمد عليه الصلاة والسلام وتصفه بأنه أُمي فإن معناه هنا هو الذي لا يجيد الكتابة ولا القراءة,وذلك انه عليه الصلاة والسلام كان أُميًا لا يعرف الكتابة ولا القراءة بشهادة القرآن حيث يقول الله تعالى:"وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَميِنكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ"العنكبوت/48.
واما الآيات التي تذكر العرب بوصفهم أميين...فهذا يحمل على معنى ان لا كتاب سماوي كان لهم,ولأن آلايات تبين الفرق بين العرب واليهود والنصارى اهل الكتاب.
فمثلاً في سورة البقرة:"وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتابَ إِلاَّ أَمَانيَّ وَأَنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ",فالمقصود بالاميين هنا هم اليهود ,قال الزمخشري:"وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ " لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها. " لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ " التوراة " إِلاَّ أَمَانِىَّ " إلا ما هم عليه من أمانيهم، وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة".وقال الرازي:"اعلم أن المراد بقوله: { وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ } اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. والفرقة الثانية: المنافقون، والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين، والفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلد",واما إبن عاشور فقد قال:"والمعنى كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم محرفين وفريق جهلة وإذا انتفى إيمان أهل العلم منهم المظنون بهم تطلب الحق المنجي والاهتداء إلى التفرقة بينه وبين الباطل فكانوا يحرفون الدين ويكابرون فيما يسمعون من معجزة القرآن في الإخبار عن أسرار دينهم فكيف تطمعون أيضاً في إيمان الفريق الأميين الذين هم أبعد عن معرفة الحق وألهى عن تطلبه وأضل في التفرقة بين الحق والباطل وأجدر بالاقتداء بأئمتهم وعلمائهم فالفريق الأول هم الماضون. وعلى هذا فجملة { ومنهم أميون } معطوفة على جملة { وقد كان فريق منهم } إلخ باعتبار كونها معادلاً لها من جهة ما تضمنته من كونها حالة فريق منهم وهذه حالة فريق آخر".اهـ
هذا والله اعلم