:جديد المواضيع
النتائج 1 إلى 3 من 3

اهتمام القرآن بالعلم

  1. #1
    مشرف سابق

    User Info Menu

    Lightbulb اهتمام القرآن بالعلم

    إن من يمعن النظر.. في أعماق الحضارة الإسلامية، وما حققته للإنسانية من أسباب النمو، وعوامل الازدهار.. ويلم بما جاء به الفكر الإسلامي، من مفاهيم تناولت أهم معضلات الحياة..

    إن من يتعمق في ذلك.. يدهشه مدى عمق التفكير الواعي، الذي بلغ ذروته علماء الإسلام.. ويتضاعف إعجاب الباحث، بهذا الفيض الزاخر من الجهود العلمية العظيمة التي ملأت الدنيا..

    وتزداد دهشة المفكر، ويتعاظم تمجيده، لحركة التحول الخطيرة التي أصابت المجتمع العربي، في تلك الفترة القصيرة..

    تُرَى.. أي سر هذا الذي استطاع أن يحول عرب الصحراء، إلى أساطين في العلم، ومشاعل في الحضارة، وأفذاذ في المعرفة، ومنارات في الثقافة؟ وأي قوة رفعت العرب من حال البداوة التي كانوا عليها، إلى أبطال وقادة، غير هيابين ولا وجلين؟.

    وترى .. كيف نفسر سرعة تطور العرب من الجاهلية الجهلاء.. إلى الحضارة العلياء، في أقل مدة عرفتها الإنسانية؟.

    تقول الكاتبة الألمانية الدكتورة (سيجريدهونكه): "إن هذه الطفرة العلمية الجبارة، التي نهض بها أبناء الصحراء، من العدم، من أعجب النهضات العلمية الحقيقية، في تاريخ العقل البشري".

    وليس من المعقول في نظر المفكر، والباحث، والدارس.. أن يطفر الفكر العربي الذي قيدته ظروف الحياة القبلية الآسنة اليبوس، إلى مثل هذه المرتبة العالية، دون أن تكون هناك الأسباب القوية التي دفعت به إلى الحياة المتحركة دفعا..

    ومن المُسَلَّم به، أنه لم تظهر قبل الإسلام.. أية دلائل على التطور الفكري من العرب المنتشرين في الجزيرة العربية[1] .. وكان الشعر، والخطابة والتنجيم، أحب شيء إلى عرب الجاهلية إذن.. ما هي تلك الأسباب التي استقى منها الفكر العربي، مادة حيويته، وتطوره؟ وما هي الموارد التي نهل منها أسباب تكامله، وقوته؟؟..

    إن المنبع الأول والأصيل في كل ذلك.. هو: القرآن الكريم.. وذلك أن القرآن، لم يكن كتاب دين يحث على العبادة فحسب.. وإنما كان إلى جانب تأكيد وحدانية الله، وما يتبعها من عقائد، وعبادات، وأوامر، ونواهي، كان أعظم الدساتير التي عرفتها الإنسانية، في تاريخها الطويل الممتد عبر الزمن.. وذلك بما تضمنه من القواعد الرصينة الكفيلة بقيام المجتمع الإنساني الصالح.

    ولقد كان أول أثر من آثار القرآن في الفكر الإنساني.. اهتمامه الواسع بالعلم.. وذلك أن العلم أساس التقدم والتعاون، وتبادل الخبرات والمنفعة، وقد كانت عناية القرآن بالعلم.. تفوق حد الوصف..

    تأمل القرآن وتدبر آياته، تجده يدعو إلى تحكيم العقل والمنطق، في مظاهر الكون، وأحداث الماضي..

    ولقد اشتمل القرآن على ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.. منها سبعمائة وخمسون آية كونية وعليمة.. احتوت أصولا وحقائق تتصل بعلوم الفلك والطبيعة، وما وراء الطبيعة، والأحياء، والنبات، والحيوان، وطبقات الأرض، والأجنة، والوراثة، والصحة، والصحة الوقائية، والتعدين والصناعة، والتجارة، والمال، والاقتصاد، إلى غير ذلك من أمور الحياة.. واحتوت باقي الآيات على الأصول والأحكام في المعاملات، وعلاقات الأمم والشعوب، في السلم والحرب، وفي سياسة الحكم، وإقامة العدل، والعدالة الاجتماعية.. وكل ما يتصل ببناء المجتمع..

    وهذا كله بخلاف العبادات، والعقائد، والتكاليف، والقصص، والمواعظ، والأمثال، وغير ذلك من شتى أمور الدين والدنيا.. مما كان محلا للدراسة والاستنتاج، والتخريج، والتأصيل، والبحث، والتنقيب.. وكان أساسا لعلوم الفقه، والتفسير، والحديث والأصول، والأخلاق، والبلاغة، والنحو، والأدب.. ذلك أن القرآن من العمق، والاتساع، والعموم، والشمول.. بما يقبل تفهم البشر له.. أياً كان مبلغهم من العلم، وبما يفي بحاجاتهم في كل عصر، ويتجاوب مع أهل البداوة في يسر، ويبهر في عمقه أهل الحضارة الذين صعدوا في سلم الرقي، وبرعوا في فنون العلم والمعرفة.

    واسم القرآن نفسه مشتق من القراءة، والقراءة أدنى مفاتيح العلم للإنسان.. وللقراءة أهميتها الكبرى، في التقدم العلمي والفكري.. وما دام الإنسان يقرأ فإنه إلى نمو ثقافي رائع..

    وأول ما تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، خمس آيات.. هي قوله تعالى..: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}..

    فالقراءة مفتاح العلم، والطريق الدائم للمعرفة.. لذلك كما ترى كان الأمر القرآني الأول لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمرا متكررا للقراءة، وأوضحها مؤكدا ما رمى إليه من معنى وهو: العلم، والتعلم، والتعليم.. بكل ما تحمله الكلمات الثلاث في أصلها الصرفي من أبعاد خيرة، ومجالات نافعة..[2]

    وزاد القرآن التأكيد بذكر القلم.. والقلم من أعظم نعم الله على عباده.. إذ به تخلد العلوم، وتثبت الحقوق، وتعلم الوصايا، وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس.. وبهذا تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين.. ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض ودرست السنن، وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذهب السلف. وكان معظم الخلل الداخل على الناس، في دينهم، ودنياهم، إنما يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم، فجعل لهم الكتاب وعاء حافظا، من الضياع.. كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان[3] .

    وأول قسم في القرآن أقسم به رب العزة.. صدر بحرف من حروف الهجاء، وكان بالقلم وبما يسطر العالمون ..قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}.

    فأول سورة نزلت من القرآن.. سورة العلق.. ومن العلق يخلق الإنسان، وكانت السورة التالية لسورة العلق، هي سورة القلم، وبالقلم يكتب ويتعلم الإنسان..

    فإنسانية الإنسان لا تكون إلا بالخلق، ولا تتم إلا بالعلم..

    وما ألطف قول الشاعر:

    إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرم
    كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم


    وأقسم الله سبحانه وتعالى في سورة القلم.. بالقلم والكتب، فتحاً لباب التعليم بهما، ولا يقسم ربنا إلا بالأمور العظام. فإذا أقسم بالشمس والقمر، والليل والفجر، فإنما ذلك لعظمة الخلق، وجمال الصنع، وإذا أقسم بالقلم والكتب، فإنما ذلك ليعم العلم والعرفان وبه تتهذب النفوس، وترقى شئوننا الاجتماعية والعمرانية[4] .

    وما أروع لفظ {وَمَا يَسْطُرُونَ} حيث يشمل كل فنون الكتابة والتعبير عما في الضمير، بالرسم، والرمز، ويشمل كل آلة أو نظام استحدث للتوصل إلى ذلك، من آلات، ومعدات حدثت أو ستحدث[5]..

    والقرآن.. يهتف بالإنسانية: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}..

    وبجانب هذا يرفض أن يقف بالعلم عند حد.. بل يفتح للإنسانية باحة ليس لها نهاية..

    ولقد وضع القواعد السليمة، لوزن المعلومات، وتمييز صحيحها من زائفها. فقرر أن المسائل لا تأخذ الطابع العلمي، ولا ترقى إلى درجة المعلومات.. إلا إذا قامت عليها بينة، واستندت إلى دليل، ومن ثم كان القرآن ولا يزال ينادي دائما: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.. {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا}..{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.

    وهذه الآية الأخيرة.. تنهى عن اتباع ما لم يقم به علم يستند إلى حجة سمعية، أو رؤية بصرية، أو براهين عقلية.. وهي طرق الاستدلال التي تنحصر في العقليات، والسمعيات، والمحسوسات..

    وهذا الميزان الذي وضعه القرآن دفع بالناس دفعا، إلى تلمس الأدلة، ومعرفة ما يفيد المجتمع.. قال تعالى في سورة البقرة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}..

    فأمعن الناس فكرهم في هذا الكون الفسيح، وأنعموا النظر فيما حوى من عجائب، ليستغلوا ما حواه من موارد.

    وتتكرر كلمة العلم بجميع اشتقاقاتها وتصريفاتها في سور وآيات القرآن تكرارا، يكفي لتقدير منزلة العلم والعلماء..

    وكلمة العلم في القرآن عامة.. تشمل مختلف أغراضه ومراميه.. ويرشدنا هذا العموم، إلى أن العلم في القرآن، ليس خاصا بعلم الشرائع والأحكام.. إنما المراد هو كل علم يفيد الإنسان، توفيقا في القيام بمهمته، التي على كاهله، منذ قدر الله خلقه، وجعله خليفة في الأرض..

    فإدراك ما يصلح النبات والأشجار علم.. وإدراك ما يصلح الحيوان والطير علم.. وإدراك موارد الصناعية وكيفياتها علم.. وإدراك الأمراض وعللها والوقاية منها علم.. وإدراك الأمم لكل ما يفيد المجتمعات الإنسانية علم..

    فالعلم في القرآن يشمل كل أنواع المعرفة، التي تتصل بكل ما يفيد الناس، في دينهم، ودنياهم، وفي معاشهم ومعادهم، وفي أجسادهم وأرواحهم. ولهاذ كله.. فسح القرآن مجال العلم للعقل الإنساني، وتعدى به أسوار الطبيعة وتغلغل به في أسرار الكون والحياة.. ولم يقف به عند حدود الماديات الطبيعية، بل تعداها إلى كل شيء في الحياة يفيد المجتمع، ويعود عليه بالتقدم والرقي.. ومن هذا المنطلق.. عرف المسلمون منزلة العلم وفضله.. وأدركوا مبلغ الحاجة إليه.. وأنه هو الذي يوضح لهم معالم الطريق، ويفتح أمامهم آفاق الحياة.. فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم.. ولم يشغلهم عنها ترف الحضارة، ولا ثنت عزائمهم بأساء الحياة وضراؤها.

    بحثوا عن العلوم حتى أقاموا لها في كل قطر منارا عاليا، وحملوا مشاعلها مشارق الأرض ومغاربها.. ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم بل اتجهوا بها أيضا إلى علوم السابقين.. يدرسونها، ويمحصونها، ويأخذون عنها، ويزيدون عليها، ما هداهم إليه البحث، والنظر، والاستدلال.. فاستخرجوا العلوم من زوايا الإهمال والنسيان، وزادوها نقاء وصفاء، وكانوا يطلبون العلوم طلب الناقد البصير.

    وبهذه النهضة العلمية.. استطاعوا أن يعملوا عمل الأقوياء، لأن العمل لبناء المجتمعات لا يصدر إلا عن إرادة قوية، والإرادة القوية لا تأتي إلا من العلم..


    الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
    مجلة الجامعة الإسلامية


    --------------------------------------------------------------------------------
    [1] بل قد ظهرت بوادر التطور الفكري قبيل البعثة النبوية ويبدو جليا في شعر الحكماء وخطبهم، وكان ذلك ضروريا لإقدار العقل العربي على فهم المعاني العليا التي جاء بها الإسلام. - المجلة
    [2] انظر استراتيجية العالم الإسلامي. مجموعة محاضرات وزارة الحج والأوقاف ص17.
    [3] تفسير القاسمي ج17 ص6209.
    [4] تفسير المراغي ج19 ص27.
    [5] التفسير الواضح ج29 ص13.



    0 Not allowed!

  2. #2

  3. #3

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •