الأسير الأيديولوجي






قالت ( رحاب ) وهي تنظر إلى ( أحمد ) غاضبة :
· قلت أنّك فى وطنك و بلدك ! . . . فماذا كنت تعني بهذا القول ؟
فأجاب بهدوء :
· إنّني هنا مع إخواني الفلسطينيين الّذين يعيشون بينكم و يعتبرونها بلدهم و وطنهم .
فقالت بحدّة واضحة :
· هذه البلاد لنا بأمر الرّب يهوه .
أراد ( أحمد ) أن يطيل هذا الحوار فقال :
· إنّ الرّب أعطى هذه الأرض لكلّ من يريد أن يعيش عليها .
فقالت مسرعة :
· هذه الأرض خصّصها الرّب ليهود فى كتابنا المقدّس التوراة . . . . أعطاها ليعقوب كوعد له و لذريّته .
فأجابها بثقة واضحة و فى تمهّل :
· الرّب أعطى هذه الأرض للإسرائيليين فقط و ليست لكلّ اليهود .
فقالت و قد بدت على محيّاها إبتسامة هازئة :
· ماذا تعني بهذه التفرقة السخيفة بين اليهود و الإسرائيليين !؟ . . . . لم أسمع أنّ أحدا قال بمثل ما تقول من قبل !! .
فأجابها متجاهلا هزؤها :
· الرّب أعطى هذه الأرض لمن إتّبعوا نبيّ ربّنا يعقوب ( عليه السّلام ) و حرّمها على اليهود الذين خالفوه و عصوا الرّب فى عهده . . . . هذه الأرض وعد بها الرّب الأخيار المطيعين فقط .
تريثت قليلا تفكّر قبل أن تقول :
· فى هذا الّي تقول كلّ الحق !! . . . . و لكنّك تعترف بأنّنا المطيعين أصحاب الحق فى هّذه الأرض !
تبسّم لمحاولتها تفسير كلامه بما يتّفق مع هواها وقال :
· نعم أعترف أنّ المطيعين هم أصحاب الحق فى هذه الأرض ، و لكنّكم لستم منهم .
بدأت سخرية واضحة على وجهها و قالت :
· و كيف حكمت علينا أنّنا لسنا من أولئك المطيعين ؟.
نظر إلى اللّيل يحيط بالمكان من كلّ جانب و قال متمهّلا :
· لأنّ الّذين لهم الحقّ فى الإنتساب إلى " إسرائيل " نبيّ الرّّب ، المعروف بإسم " يعقوب " أيضا . هم الّذين دخلوا فىدين الرّب ، أي الّذين يوحّدونه ، أي يشهدون أنّه " لا إله إلا هو " و يستقيمون على الطريقة الّتى جآء بها نبيّه " إسرائيل " ( عليه السّلام ) .
ظهر عليها الإرتباك و قالت بسرعة :
· كلّنا يهود و ننتمي إلى إسرائيل .
نظر من جديد إلى الطريق عبر النافذة ، و الحارسان مستكينان لا يفهمان شيئا ممّا يدور من حديث باللّغة العربيّة ، و يراقبان تصرفاته بإنتباه تام طيلة المدّة الماضية ، ثمّ قال :
· من يقول أنّ العزير إبن الرّب ، فهو ليس من المطيعين ، الّذين يستحقّون الوعد بأن يكونوا من سكان ( إسرائيل ) ، لأنّه كافر بديانة الرّب الّتي جاء بها أنبياء بني إسرائيل .
قالت بإنتباه تام :
· و ماذا أيضا ؟ .
فقال و هو يهرب من نظراتها إليه :
· أقصد كلّ الّذين لا يعتبرون أنّ الرّب واحد ، ليسوا من بنى إسرائيل .
نظرت إليه و كأنّها تشجعه على الإستمرار فقال :
· كلّ الّذين لا يصلّون أي لا يعبدون الرّبّ على طريقة أنبياء بني إسرائيل ، ليسوا منهم .
فقاطعته قائلة :
· كلّنا ننفّذ وصايا الرّب .
فأجابها بلهجة واثقة :
· لستم كلّكم من يفعل ذلك ، فمنكم من لم يعد يهمّه أمر الدين ، و جرفه التيّار العلماني ، و صار لهم فكر يختلف عننكم ، سوى فى وجوب الخفاظ على إجتماع لليهود فوق هذه الأرض . و هذه الأرض كما قلت سابقا ، هي للّذين إتّبعوا إسرائيل فقط ، و ليست لغيرهم .
قالت و هي تنظر إليه بإهتمام :
· و ماذا فى ذلك ؟ .
جال فى ذهنه للحظة هل يستمر فى هذا الحوار أم ينهيه ، ثمّ قال :
· المسألة لم تعد تناقش من منطلق ديني .
أجابته فى شيء من الغيظ :
· ديننا يأمرنا بقتل كل من نجده على هذه الأرض من غير اليهود .
فردّ عليها فى شيء من السخرية من كلامها فقال :
· و لماذا لم تفعلوا ذلك مادام الرّبّ يأمر بذلك . . . نحن نرضى لرضى الرّب . هكذا تأمرنا تعاليم ديننا؟!!
قالت بسخرية ظاهرة :
· أ تريدنا حقا أن نقتلكم ؟.
تنفّس بعمق ، و زفر زفيرا طويلا . كأنّه يرتاح من طول الحديث معها ، ثمّ قال :
· إنّكم لا تفعلون ذلك لأنّكم لا تستطيعون فعل ذلك علانيّة ، أمام العالم ، لأنّ هذا يفقدكم الأموال ، والحماية الدوليّة ، لأنّ هناك أناس يتّبعون إسرائيل ، و كافّة أنبياء بني إسرائيل ، فجعلهم الرّب أقوى منكم ، و لا يمكن أن تفعلوا شيئا إلا بإذنهم .
قالت و قد ظهر عليها الإرتباك :
· من هم ؟.
فقال متمهّلا و هو ينظر إلى لهفتها لمعرفتهم :
· أتباع المسيح " عيسى بن مريم " ، فهم أكثر عددا ، و أوفر أموالا ، و أعظم قوّة .
فقالت وقد ظهر الحنق والغضب على وجهها ولم تتحمّل وقع كلماته وتأثيرها في نفسها :
· إنّهم يساعدوننا . . . . إنّهم يحببوننا !!!؟ .
فأجابها و لم يأبه لغضبها فقال بهدوء زاد من غيضها عليه :
· يساعدونكم . . . نعم ، أمّا قولك : إنّهم يحبّونكم فخطأ كبير .
قالت و هي تريد أن تبكي كطفلة صغيرة :
· كيف و هم يتوعّدون ، و يهدّدون كلّ من يكرهنا منكم ، و ساعدونا على الرّجوع إلى أرضنا ( إسرائيل )
فأجابها مشفقا عليها ، و شارحا لوجهة نظره فقال لها :
· إنّ عودتكم لهذه الأرض تمّت لأنّكم سعيتم لها و لم تذّخروا أيّ جهد من أجل الوصول لهذا الهدف ، ومن جدّ وجد ، و غايتكم إقامة دولة ( إسرائيل ) الكبرى آلتي وعد بها الرّب فى السابق ، و قبل مجئ المسيح المطيعين منكم .
قالت مقاطعة له و هو يتكلّم :
· لا علاقة لنا بهذا المسيح النصراني .
فقال لها و هو يحاول إصلاح جلسته مما جعل الحارسان ينتبهان إليه أكثر و يشدّانه للخلف :
· طبعا لأنّه لم يؤيّد أطماعكم فى السّلطة ، و إشعال نار الحرب ، لإقامة دولة إسرائيل الكبرى ، تعرفين لماذا لم يستمع إليكم !؟
فقالت ببرود :
· لماذا ؟
نظر إلى الطريق حيث أنوار السيّارات تخترق ظلمة اللّيل و هي مسرعة ، و تنير داخل السيّارة
، ليرى وجهها الجميل و هي تنتظر ردّه فقال بهدوء متناسيا سخريتها :
· لأنّه لم يجد أمامه من يستحق أن يقوده لهذا الهدف .
نظرت إليه بحدّة و هي تقول :
· ماذا تعني بكلامك هذا ؟.
فقال بلا مبالاة :
· أعني أنّه لم يجد من بين الفريسيين ، و الكهنة ، و غيرهم ، من هو على الدين الصحيح ، آلتي جاء به " إسرائيل " ، و الكلّ غير مستقيم على الطريقة آلتي جاء بها " موسى " لعبادة الرّب ، لم يجد الرّب فى قلوب النّاس أمامه ، لم يجد من يستحق أن يكون من ورثة هذه الأرض المقدّسة .
سألته بلهجة متهكّمة :
· هل أصبحت أيّها المسلم قديسا نصرانيّا ؟! .
أجابها و قد صار أكثر إشفاقا عليها فقد ظهر عليها الإرتباك الشديد فقال لها :
· يا أختاه ، كلّنا أبناء آدم ، و آدم من تراب ، هذه الأرض و أديمها خلقه الرّب . . . . كلّنا إخوة ، و الإسلام هو دين سيّدنا إبراهيم ( عليه السّلام ) ، أبو الأنبياء هو آلتي سمّانا المسلمين من قبل .
ظهر عليها الإهتمام العميق ، و كأنّها تسمع شيئا جديدا ، تابع يقول :
· الإسلام ا هو أن يشهد المرء أنّه " لا إله إلّا اللّه " ثمّ يستقيم على الطريقة الّتى جاء بها رسول الرّب العظيم .
سكت قليلا و هو ينظر لوقع كلماته عليها ، و أردف يقول :
· إبراهيم عليه السّلام هو آلذي سمّانا المسلمين ، كلّ من يشهد أنّه " لا إله إلا اللّه " و يعامل اللّه سبحانه و تعالى المعاملة الّتى تليق بعظيم شأنه ، من تمجيد و ذكر له ،فى كلّ الأوقات ، و يتّبع رسوله ، مقلّدا له فى أداء ما فرضه عليه الخالق القادر ، من صلاة ، و صيام ، و زكاة ، و حجّ ، و كذلك يعامل كلّ النّاس المعاملة الّتى يحب أن يعاملوه بها هو مسلم .
سكت قليلا قبل أن يضيف وقد بدت أكثر إهتماما بما يقول فقال :
· نبيّ الرّب موسى ( عليه السّلام ) مسلم يشهد أن " لا إله إلّا اللّه " ، سبحانه و تعالى ، و جاءكم بطريقة تعبدون الرّب بها طبّقها على نفسه ، قبل أن يأمركم بإتباعها ، و هذه الطريقة تعرفون ما دخل عليها من التحريف و التبديل ، لأنّك تعلمين أنّ اليهود اليّوم طوائف متعدّدة ، يتفّقون فى التسمية ، و يختلفون فى طرق العبادة .
و أضاف قائلا :
· نبيّ الرّب " عيسى بن مريم " ( عليه السّلام ) ، جاءكم بالمعجزات الدّالة على صدقه ، فحاولتم أن
تقودوه أنتم إلى ما تريدون ، بينما هو كان يريد أن يقودكم إلى معرفة ، و طاعة الرّب ، آلذي لم تعودوا تنتمون إليه ، فكيف يقودكم ؟، و داخلكم خربا ، و يحتاج إلى الإعمار أصلا ، فرفضتم ، و أصريتم على أنكم ما تزالون أبناء الرّب و شعبه المختار ، بينما فى الحقيقة ، أنّ شعبه و أبناءه هم الّذين يعملون الطاعات ، و يعاملون الخلق المعاملة الحسنة ، حتى و إن خالفوهم فى المعتقد ، و يشهدون أن لا ربّ غيره ، و هذا غير موجود فيكم حتى الآن .
نظر إليها مشدوهة كأنّها تسمع لشيء عجيب ، وأضاف متأنيّا فى حديثه قال :
· إنتقل ميراث " إسرائيل " آلذي وعدكم به ، و التمكين فى الأرض إلى أناس آخرين ، يعملون بأوامر الرّب ، و يؤمنون بـ "المسيح : عيسى بن مريم " رسولا مرسلا من الرّب ، و متمّما لرسالة " موسى " ( عليهما السّلام ) ، ومصحّحا لها ، و مبشّرا برسول يأتي من بعده ، أسمه " أحمد " .
نظر إليها وهى تتأمله كيف ينطق بعباراته ، تستمع إليه مصغية ، فأكمل حديثه قال :
· و هكذا ترين أنّكم فى هذه الأرض ، نتيجة سعيّكم للتواجد فى هذا المكان . جهودا كبيرة ، و خططا عديدة ، و دسائس و مؤمرات ، وقتل ، و إنتهاز فرص ، حتى أصبحتم فوق هذه الأرض .
فقالت فى هذه اللّحظة مستفهمة :
· و لكنّهم ساعدونا لنكون فوق هذه الأرض ، بالأموال ، و التهجير لألآف اليهود من أراضيهم ؟!! .
فقال و هو ينظر إليها مشفقا عليها :
· إنّهم يريدونكم أن تأتوا إلى هذه الأرض لعدة أسباب منها :
-* التخلّص من إزعاجاتكم لهم هناك .
-* يريدون مساعدة الرّب على عودتكم ، تمهيدا لعودة " المسيح : عيسى بن مريم " للأرض مرّة أخرى ، قائدا منتصرا بإذن الرّب الإله القويّ العزيز .
- * معرفتهم المسبقة من خلال تعاليم دينهم ، أنّ نهايتكم كعصاة ستكون على هذه الأرض ، و ذّلك ما يريدونه ، لأناس يكرهونهم .
. . . . . و الرّب مولانا لا يفعل أيّ شيء لعرقلة جهودكم للعودة إلى هذه الأرض ، و لكننى سأشرح لك من كتابه ما يقول :
“ إذا عدتم إلى هذه الأرض آلتي لا ينبغي أن يحيا عليها إلا الإسرائيليون المخلصون ؟، الذين إتبعوا نبيّ الرّب ( إسرائيل) و بنيه من بعده ، و حرّمها الرّبّ على الكافرين الّذين لا يشهدون أنّ الرّبّ واحد ، أحد ، فرد ، صمد ، ولا يتّبعون الطريقة المثلى آلتي جاء بها أنبياؤهم فىالتعامل مع الرّبّ و خلقه . إذا عدتم إليها و هذه صفاتكم ، عدنا إليكم بالعذاب و الهلاك ، و التدمير لكل ما أقمتموه فيها لأنفسكم .
فى هذه اللّحظة أمرته ( رحاب ) بالسكوت ، و هي تنظر حولها فى إرتباك ، و نظرت أمامها للطريق ، تفكّر فيما قاله ، و قد بدا عليها الإستغراق فى التفكير العميق .



=== مع تحياتي - الطليق الأيديولوجي ==