الاســتــنـــساخ الــــبـــشـــــري

بقــــــلـــم: تـــومي إسماعيل
- الجزائر-
Toumismail21*************

كلما تقدم العلم خطوة , وكلما فتح بابا من أبواب المعرفة كلما ازداد إيماننا بقوة الخالق وقدرته سبحانه وتعالى على الخلق والإبداع, فرغم طغيان حدث الحرب العالمية ضد العراق على جميع وسائل الإعلام واستحواذها على جميع الأنظار في العالم, إلا أن خبر استنساخ إنسان في أمريكا واليابان استطاع أن يطفو على صدر الاهتمامات العالمية بلا منازع, واحتلال صدارة الفكر العالمي الذي بدأ لتوه يقلب الحدث على جميع المستويات والأصعدة, اقتصاديا واجتماعيا وحتى عسكريا, وبدأ التفاؤل والتشاؤم يخيمان على مصير البشرية وهما يتجاذبان المستقبل على قارب الزمن وهو يشق عباب القدر متجها إلى الغد المجهول...
فما وجه الغرابة أن يضاف إنسان آخر جاء بطريقة مغايرة إلى ملايين البشر ليقاسمهم اتراحهم وأفراحهم على هاته البسيطة ؟؟؟

الإنسان مند وجوده الأول وهو يسعى جاهدا إلى حتفه من خلال جريه الدءوب وراء فكرة الخلود في هذا العالم الفاني, فبعد ما أعيته جل الأبحاث والحيل في إبعاد شبح الموت عنه وتصديه لكل العلل والأمراض جاءت صيحته الأخيرة بعد جهد جهيد متمثلة في عملية استنساخ للإنسان.
وهي انه أصبح بإمكان اخذ خلية واحدة من امرأة أو رجل تكون كافية لاستنسخ نفس الإنسان الذي أخذت منه الخلية دون الحاجة إلى المعاشرة ودون الحاجة إلى حيوانات منوية, فالمرأة يمكن أن تستنسخ نفسها دون الحاجة إلى الجنس الآخر.
وبقدر ما كانت هاته الصيحة آخر صيحة في العلم والتكنولوجيا بقدر ما هي لا تعدو إلا أن تكون خطوة بسيطة, وغير كاملة في تاريخ البشرية فإمكانية أن تلد المرأة دون الحاجة إلى الجنس الآخر بغير ما جبلت عليه الفطرة ليست بالغريبة الطرح في تاريخ البشرية بل هي قديمة جدا, وأقدم من التاريخ ذاته فقد ورد في القرآن الكريم على لسان مريم بنت عمران عليها السلام قوله عز وجل (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيا ) سورة مريم الآية رقم (20)
فمريم عليها السلام تعجبت واحتارت كيف يمكن لها أن تلد دون معاشرة ودون أن يمسها احد بعكس ما هو متعارف عليه.

وقبل أن نتطرق إلى الإجابة أشير إلى ضرورة التأمل والتبصر في رده سبحانه وتعالى, لأنني اعتقد أن الإجابة تحمل في طياتها المحاور الضابطة التي من خلالها يمكن أن تحدد موقفنا من الاستنساخ.
فقال سبحانه وتعالى في سورة مريم الآية رقم (21)( قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ).
إذن فقد رد عليها المولى عز وجل بان الأمر بالنسبة له هين وسهل وغير معجز إياه فأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون, وكشف لها غايته من وراء ذلك في أن يجعله آية للناس أي حجة ومعجزة وبرهان على قدرته في خلق البشر, وبعثهم من جديد وفق طرق ونواميس مختلفة عما هو مألوف وخارج عن نطاق وإدراك البشر, وغايته في ذلك كله هو رحمة منه للناس وليس إخلالا بالموازين الضابطة للاجتماع البشري, ولا حتى عقوبة لهم وشرا. فرحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء.
وعليه يمكن أن نستنتج مما تقدم أن المحاور المشار إليها هي على الترتيب كالتالي:
ا - أن يكون الأمر سهلا لا يعرض بحياة الأشخاص والشعوب ماديا ومعنويا وأخلاقيا.
ب - أن لا تكون الغاية هي مضاهاة لخلق الله وفتنة للناس في دينهم ومعتقدهم.
ج - أن يكون رحمة في كل جوانبه ولا يشكل خطرا على الاجتماع البشري ومستقبل الإنسانية.
د - أن تكون هناك ضرورة ملحة, ومصلحة محققة لان خلق عيسى عليه السلام, هو إرادة إلهية لضرورة وجودية قدر أمرها من لدن عليم خبير, ولم يكن الأمر اعتباطيا خاضعا لنزوة عابرة مبهمة العواقب.

فهل انــتـفت آية الله في خلق عيسى عليه السلام بقدرة الإنسان عل استنساخ البشر ؟؟؟

فحتى نتمكن من نزع الغشاوة عن أعين الكثيرين الذين ربما قد ابهرهم هذا السبق العلمي فظنوا بالله الظنون, ارتأينا أن ندلي برأينا في هذا المضمار.

إني اعتقد أن الآية هاهنا قد تدعمت في نظري أكثر فأكثر مصداقا لقولــه عز وجل في سورة فصلت الآية رقم 53(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيدا )

فاستنساخ البشر كما تبادر إلى فهمنا المحدود لم يكن ألبتا بالأمر الهين بل استلزم معرفة علمية ثاقبة, وقدرة تكنولوجية جد متطورة ومع ذلك فهو مسالة بدائية أمام عملية الخلق ؟؟؟
فحرق غاز الهيدروجين, وغاز الأوكسجين للحصول على الماء ليس خلقا للماء ؟؟؟ وكذلك فان إشعال عود الثقاب ليس خلقا للنار.فالعملية لا تعدو إلا أن تكون تركيب لما أوجده الله وفق قانون من قوانين المولى شاء أن يطلع عليه البشر, فالحكمة يهبها الله لمن يشاء.

من جانب آخر فان الاستنساخ هو تكرار لنفس النوع فإذا كانت الخلية من جنس ذكر كان المستنسخ ذكرا وان أخذت من أنثى كانت حتما أنثى, وآية الله سبحانه وتعالى في مريم عليها السلام أن ولد غلام هو عيسى عليه السلام فقدرة الله إذن خارجة عن نطاق التحديد بالنوع أو الكيفية وهنا جوهر الاختلاف والمفاضلة بين الخلق والاستنساخ وشتان بين الثرى والثريا.

قالت مريم عليها السلام ( قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيا ) سورة مريم الآية رقم (20) فترادف المعنيين في هاته الآية هو تأكيد يفيد شمولية المعنى وكماله, وهو أن مريم عليها السلام لم تمس بأي شكل من الأشكال إطلاقا. في حين انه في عملية الاستنساخ وحتى إن غابت عملية المس في جانبها الفطري إلا أنها حاضرة في ماهيتها التكنولوجية من خلال الآلات والأدوية والعلماء وهي لا تختلف إلا نوعا أما الكيفية فلا تختلف كثيرا مادام أن البويضة المخصبة توضع في القرار المكين وهو رحم المرأة.
وإذا كانت الغاية من الخلق كما بينها الله رحمة وفضلا فان الاستنساخ وليد أنانية الإنسان في بحثه عن الخلود الدائم, وهو إخلال بموازين الاجتماع البشري, وهدم لرابطة المرأة والرجل والأسرة, ومروق عن الجبلة التي أودعها الله في بني البشر.
وهو وان كان في ظاهره يولد الانبهار والدهشة فانه في حقيقته الكونية أو الوجودية قصور أمام ميزة التنوع والاختلاف ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) الآية 22 سورة الروم.

وأخيرا اعتقد أن العبرة المتوخات من ذلك كله هو أن بعث الإنسان مرة أخرى أصبح تقبله ذهنيا ومنطقيا أمرا سهلا بعد ما احتارت فيه من قبل أمم غابرة في قولهم(وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) سورة الإسراء الآية رقم (49), فإذا كان هذا الإنسان الضعيف الذي أعجزه خلق الذبابة قادرا على استنساخ إنسان في الحياة الدنيا فان الله سبحانه وتعالى الذي خلق الكون لن يعجزه أن يعيده كما خلقه أول مرة فإنه على رجعه لقادر.
وأما العبرة الثانية فان عملية استنساخ الإنسان بطرق مجانبة للفطرة دليل على إفلاس الحضارة الإنسانية في جانبها المادي والروحي على السواء.

ففي الجانب المادي اثبت التاريخ بم لا يدع مجالا للشك أن خروج الإنسان عن الفطرة التي فطره الله عليها هو تغير لسنة الله, ومن ثم استوجب ذلك زوال واندثار العمران البشري. فلن نجد لسنة الله تبديلا ولن نجد لسنة الله تحويلا, أما الإفلاس الروحي فنجد أثره في هذا الانقياد مع سبق الإصرار إلى الاستهتار بقيمة الإنسان وقدسية الحياة فبعد أن ألهته المادة حقبة زمنية طويلة, وتم القضاء على آخر لبنة في روحانية الوجود, لن نستغرب بعد ذلك إذا ما استخدم الإنسان في إنتاج الخنازير والقرود خاصة وان المواصفات الجينية كما أوضحها العلم لا تختلف كثيرا عنها عند الإنسان.

فيا أسفاه لهذا المخلوق الذي دخل الدنيا كريما, ويأبى إلا أن يبارحها ذليلا حقيرا...