(المدينة)

هي فكرة حضرية واختراع جديد نسبياً توصل إليه الإنسان تلبية لاحتياجاته الحضرية والحضارية، ولكي يمارس الإنسان ضمن حدودها كافة نشاطاته الحيوية، المدينة هي المسرح الكبير الذي يلعب فيه الإنسان الدور الرئيسي، والمدينة هي منبع الحضارات ومهدها.
السكن هو أحد العناصر الرئيسية في وظائف المدينة منذ أن بدأت، وكلمة السكن تعني المكان الذي يسكن إليه الإنسان ويستعيد فيه سكينته وطمأنينته مع أهله وأولاده، ويجد فيه راحته وهدوءه بعد شقاء يوم طويل من السعي وراء الرزق.
وقد ضربت المدينة الإسلامية القديمة أروع الأمثلة لإبراز حرمة ووقار المناطق السكنية، أو كما كانت تسمى (الحارات السكنية)، لم تضاهيها في ذلك أي مدينة أخرى، واستمرت هذه الخاصية في المدن الإسلامية والعربية حتى وقت قريب.
فقد كانت للحارة السكنية في مدننا القديمة حرمة شبه مقدسة وأدبيات يعرفها ويحترمها الجميع، سواء كان الحارة نفسها أم سكان الحارات الأخرى والزوار الآخرين، وكانت تصرفات وحركات كل من يسير في طرقات وأزقة الحارة السكنية محكومة بخلقيات وضوابط متعارف عليها، منها مثلاً عدم رفع البصر إلى نوافذ المباني السكنية، وعدم رفع الصوت أو التجمهر داخل الحارة، وإلقاء السلام على كل من يمر بهم، وتجنب الألفاظ البذيئة الخارجة عن الذوق العام، وعدم التعرض للأطفال والأولاد الصغار الذين يمارسون ألعابهم في الحارة، وعدم التسكع داخل الحارة دون هدف محدد.. إلى آخر ذلك.
ثم اكتشف المخططون الغربيون بعد ذلك ما تميزت به المدن الإسلامية القديمة، وهي أنه للأحياء السكنية خصوصياتها وحرمتها وآدابها، فوضعوا لذلك المعايير التخطيطية اللازمة ضمن أنظمة استعمالات الأراضي، وقوانين التمنطق، ومشاركة وحقوق السكان والمجالس البلدية، أي أنهم قاموا (بتقنين) تلك الخاصية، حتى أصبح اليوم محظوراً في كل مدن العالم العصرية قيام أي نشاطات عمرانية تسبب الازدحام والتكدس أو الضوضاء والضجيج (التلوث السمعي) بالقرب من أو داخل الأحياء السكنية، حفاظاً على خصوصيات السكان وراحتهم وعدم تعرضهم وأطفالهم للمخاطر، وعلى هدوء ونظافة وسكينة المناطق السكنية.

لذلك تُبعد أو تُنفى جميع الأنشطة والوظائف التي ينتج عنها ازدحام أو ضجيج أو كثافة مرورية عالية (وهي أسباب ما يعرف بالتلوث السمعي والبصري وتلوث الهواء) إلى مناطق بعيدة عن الأحياء السكنية، وغالباً إلى أطراف المدينة ومناطق مخصصة ومخططة لذلك، تتصل بالمدينة بخطوط الحركة السريعة ويتوفر بها مساحات كافية لمواقف السيارات، وقد رأينا هذا في مدينة الرياض مثلاً حيث تنبه المسؤولون واتخذوا قرارهم الواعي في تحديد المناطق الترفيهية ومجمعات الملاهي على أطراف وحدود المدينة، فأعطوا بذلك مثالاً جيداً كان يجب على المدن السعودية الأخرى الاقتداء به.

إلا أنه نلاحظ أننا أصبحنا عموماً لا نهتم كثيراً في مدننا السعودية عامة بتلك الخاصية الجوهرية التي كانت تتمتع بها المدن الإسلامية القديمة، حيث أصبحت غالبية الأحياء السكنية الحديثة تعاني الأمرين نتيجة مخالفة هذه المبادئ الأساسية في تخطيط المدن والتصميم الحضري، ويتضح لنا هذا أكثر ما يكون في مدينة مثل جدة، والقاهرة، وغيرهما.