التنمية الإقتصاديةالبيئية



المفهوم السائد للتنمية هو التنمية الاقتصادية الاجتماعية، أي التنمية الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي. أما المفهوم الآخر للتنمية والذي بدأ يفرض نفسه والموازي للمفهوم السابق فهو التنمية الاقتصادية - البيئية، أي التنمية الاقتصادية ذات البعد البيئي والتي تستند إلى مفهوم التنمية المتجددة أو ما يسمى بالتنمية المستديمة التي تعني (التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة على تلبية حاجاتهم، والتي تحقق التوازن بين النظام البيئي والاقتصادي والاجتماعي وتساهم في تحقيق أكبر قدر ممكن من الارتقاء في هذه الأنظمة الثلاث.

إن التنمية لا تتطابق مع النمو بأي شكل من الأشكال، فالتنمية عبارة عن عملية اقتصادية اجتماعية سياسية ثقافية بيئية شاملة، ولا يمكن للتنمية أن تنحصر في النمو المادي فقط. وهناك فرق بين النمو المتمثل في زيادة الإنتاج الاجتماعي الإجمالي أو متوسط دخل الفرد وبين التنمية بمفهومها الشامل التي تكون مترافقة بتغيرات هيكلية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال حقبة طويلة من الزمن، ولا يمكن أن يكون مستوى دخل الفرد أو معدل نمو دخل الفرد المؤشر الرئيسي على مدى تقدم المجتمعات باتجاه التنمية.


إن مفهوم التنمية الاقتصادية مرتبط بالرفاه الاجتماعي وبرفع مستوى المعيشة وذلك من خلال رفع مستوى ونوعية حاجات الإنسان الأساسية والثانوية في المدى البعيد. ولتحقيقالتنمية الاقتصادية بمفهومها الحديث لابد من التغلب على عقبات وتحديات كثيرة من أهمها مشكلة البيئة. لا شك أن هناك اتفاقاً عاماً على المستوى النظري وفي مختلف دول العالم حول الحاجة إلى ضرورة الربط بين السياسات التنموية والبيئية، إلا أنه لا تزال هناك فجوة كبيرة بين بلاغة الكلام وبين الممارسة العملية على أرض الواقع؛ ربما كانت الاهتمامات تنصب سابقاً على آثار التنمية في البيئة. واليوم؛ الحاجة ماسة لفهم الطرائق التي يمكن للتدهور البيئي أن يقود إلى وقف التنمية بل ربما تغيير اتجاهها.



إن الهاجس الذي يلاحق كل شعوب الأرض هو كيفية تحقيق تنمية اقتصادية بأقل قدر من التلوث والأضرار البيئية وبالحد الأدنى من استهلاك الموارد الطبيعية، وهذا يتطلب دمج الاعتبارات البيئية وإدارة الموارد الطبيعية في سياسات وخطط التنمية، بحيث يكون التخطيط للتنمية والتخطيط البيئي عملية واحدة وبحيث يكون الاهتمام منصبا على نوعية الحياة ونوعية الرفاه أكثر منه على إنتاج السلع والخدمات في الأمد القصير، إن المشاكل البيئية المتعلقة بالماء والتربة والهواء تؤثر تأثيراً كبيراً على الإنتاجية وعلى الكفاءة الاقتصادية، وهذا يستدعي إدخال المعايير البيئية عند إقامة المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية، أي القيام بدراسات للجدوى البيئية للمشاريع المقامة والتي ستقام، وإلزام المستثمرين بهذه الدراسات التي تبين تأثير المشروعات على البيئة وإمكانية وكيفية معالجة الآثار البيئية الناجمة عن إقامة كل مشروع.



مؤكد أنه لا يمكن إيقاف التنمية من أجل المحافظة على سلامة البيئة، ولا يمكن الاستمرار بالتنمية بالشكل السائد حيث لا تؤخذ الاعتبارات البيئية بالحسبان.. وبالتالي لابد من التوفيق بين التنمية والبيئة، وعملية التوفيق هذه يمكن أن تتم عن طريق حساب العائدات والتكاليف البيئية للتنمية، أي من خلال تحليل العائدات والتكاليف، الذي يأخذ بالاعتبار العائدات الاجتماعية والتكاليف الاجتماعية. وباستخدام طريقة تحليل العائدات والتكاليف يمكن ترتيب المشروعات حسب درجة تأثيرها سلباً وإيجاباً على البيئة، حيث تعد الأضرار البيئية تكاليف اجتماعية تحسب في دراسة الجدوى البيئية من ضمن تكاليف المشروع وتعد الآثار البيئية الإيجابية للمشروع عائدات اجتماعية تحسب ضمن عائدات المشروع.. وبعد أن يتم حساب كل العائدات والتكاليف يمكن الحصول على القيمة الحالية الاجتماعية، ويكون المشروع الذي تكون صافي قيمته الحالية بعد حساب كل التكاليف الاجتماعية (بما في ذلك تقدير الأضرار البيئية) والعائدات الاجتماعية (بما في ذلك العائدات البيئية) أكبر من صافي القيمة الحالية للمشروعات البديلة، يكون هو المشروع الأفضل من الناحية البيئية، ثم الذي يليه في القيمة الحالية.. وهكذا. وتكون المشروعات المختارة للتنفيذ، أي التي تكون قيمتها الحالية أعلى، هي المشروعات التي تساهم في تحقيق التنمية المتجددة باعتبارها تؤدي إلى أضرار بيئية أقل، وتكون المشروعات التي قيمتها الحالية أقل هي الأكثر ضرراً للبيئة.

ونظراً للتطورات المستمرة فإنه يجب أن يكون هناك تقويم بيئي ميداني بعد تنفيذ المشروعات للتعرف على الآثار الفعلية السلبية والإيجابية للمشروعات على البيئة. وعند القيام بتحليل العائدات والتكاليف لابد من حل معضلتين أساسيتين: الأولى تتعلق بحصر وتقويم الأضرار البيئية نقدياً، والثانية تتعلق بتحديد سعر الفائدة الاجتماعية الذي يجب أن يتم الحساب على أساسه والذي يعكس التفضيل الزمني للمجتمع. وعند اتباع طريقة تحليل العائدات والتكاليف يجب أولاً تحديد الوضع البيئي الحالي، أي قبل البدء بتنفيذ المشروع للتمكن من معرفة التغيرات البيئية التي قد تحصل، وثانياً يجب تقدير كل العائدات بما في ذلك العائدات البيئية وكذلك تقدير كل التكاليف بما في ذلك التكاليف البيئية الناجمة عن قيام المشروع ويجب أن يكون هناك تصور للتغيرات البيئية المرغوبة التي قد تنجم عن تنفيذ المشروع