كيف عاشوا وأبدعوا في هذه البيوت؟
عندما نزور بيوت العظماء نشعر بالرهبة، بالاحترام لصاحب البيت ولفكره، ونظن أن لهذه الجدران دخلا في عظمته، فلو رأيت شقة الأستاذ العقاد تجدها صغيرة ضيقة وكنا ونحن صغار نراها واسعة ممتدة في الآفاق، ومكتب أستاذنا طه حسين صغير.. إنه يجلس بالقرب من الباب، والجدران كلها كتب. وشقة توفيق الحكيم ندخلها فنشعر أنه ساكن فيها وليس صاحبها، فهو لا يعرف من وضع هذا هنا أو هناك. وفيلا أمير الشعراء شوقي غرفها صغيرة، وسريره صغير، ومكتبه أيضا، وقد كان أمير الشعراء صغير الحجم وكذلك قصور الشعراء الكبار: هيجو الفرنسي وجيته الألماني.. ففي إحدى الغرف نجد مكانا بارزا في الجدار، فقد كان الشاعر جيته يكتب واقفا بسبب آلام في المصران الغليظ كالعقاد والموسيقار محمد عبد الوهاب والشاعر كامل الشناوي والإمبراطور نابليون. وبيت الشاعر الألماني العظيم هيلدز لن، البيت في الطابق الأرضي يطل على النهر في مدينة تينجن. الشاعر العظيم عاش ثمانين عاما نصفها في مستشفى الأمراض العقلية، ولكن ما أروع ما قال في الجمال والكون والقداسة، والشاعر الإيطالي دانتي يسكن بيتا صغيرا كأنه مشروع بيت، أما شعراء الفرس فقد اختاروا صورا من الجنة: حدائق (غلبا وفاكهة وأبا) وجاءت العصافير كأنها هي الأخرى ورود طائرة، ولا بد أن تتساءل كيف مات الشاعر الشيرازي والشاعر سعدي ومن حولهما هذه الأبهة الجمالية.

والدنيا تحتفل بمرور قرنين ونصف على وفاة الموسيقار العبقري موتسارت، وقد زرت بيته كثيرا في مدينة سالزبورج بالنمسا، فكل شيء يدل على أنه قصير اليدين والرجلين، أما عبقريته فلا طول لها ولا عرض، وإنما وسعت الفن الجميل كله في كل العصور، ولا بد أن نتوقف عند آنيته النحاسية التي كان يأكل فيها، أما البيانو فصغير، وأما السرير فصغير أيضا لأنه كان قصيرا، وتتوسط السرير مخدة منتفخة بالطول لتفصل بينه وبين زوجته، وكان يصحو في منتصف الليل بسبب اختفاء هذه المخدة ويجدها على الأرض فيضعها عازلا بينه وبين زوجته.
وقد نستنكر ما جاء في فيلم «اماديوس» أي أماديوس موتسارت، فقد صوره بهلوانا مرحا ويستخدم ألفاظا نابية، وكل هذا صحيح فرسائله مليئة بالألفاظ البذيئة، إنه شاب صغير متفجر بالحياة وبالعمل واللعب والأبهة والفوضى. وفي أول الفيلم نجد الموسيقار الإيطالي سالييري المتهم بوضع السم لموتسارت يجلس أمام موقد، وفوق الموقد صليب المسيح عليه السلام وسالييري يصرخ: يا رب إنني أصلي لك وأرعاك واتقيك. فكيف تضع عظمتك في شاب قليل الأدب سليط اللسان، كيف تعطيه كل هذه العبقرية وأنا المؤمن الورع لا أحصل على شيء من ذلك، ثم يلقي بالصليب في النار! لقد عاشوا وماتوا وأبدعوا وخلدوا أنفسهم لأنهم لا يشعرون بهذه البيوت الضيقة الخانقة الفقيرة!
انيس منصور الشرق الاوسط 10/03/2006