-أثر التخطيط على السلوكيات في البلدة القديمة في القدس قديماً وحديثاً.

تتمتع مدينة الفدس القديمة بتخطيط عمراني متميز راعى في كل تفاصيله الحياة الاجتماعية للسكان ، حيث قسمت المدينة الى عدد كبير من الأحياء والحارات معتمدين في تقسيمها على اختلاف العادات والتقاليد وربما الأديان مما ساعد على ايجاد سلوكيات مناسبة لكل حي، لتندمج هذه الأحياء في النهاية مع بعضها البعض من خلال الطرق والساحات العامة و الأسواق التي تصل بين تلك الأحياء . والمناطق السكنية في البلدة القديمة هي عبارة عن مساكن متلاصقة مع بعضها البعض بتم الوصول اليها من خلال الأزقة الضيقة للمحفظة على خصوصية تلك المساكن .

أما بالنسبة لأسواق مدينة القدس فهي مسقوفة في غالبيتها و موزعة على جانبي الطرق العامة بحيث يتمتع الشخص المار في هذه الطرق برؤية العديد من النشاطات التجارية أثناء ذهابه الى المنزل أو العمل . و أيضاً يتيح فرصة للانسان للالتقاء بأصدقائه ومعارفه ، هذا بالاضافة الى شعور المار في تلك الطرق بعلاقة حميمة تربطه بالفراغ المحيط به ، فيشعر و كأنه يعمل على احتضانه من خلال العناصر المعمارية المختلفة . وكيف لا وتلك الطرق تعكس في أدق تفاصيلها الهوية الثقافية للسكان .

وقد تناسب تخطيط المينة بهذا الشكل مع طبيعة السكان الموجودون فيها حيث أن سكان أحياء مدينة القدس غالبا ما تربطهم علاقات قوية فسكان الحي الواحد مثلاً تربطهم علاقات قوية نظراً لوجود عدد غير محدود من العائلات في كل حي مما جعلهم قادرين على تمييز كل فرد يسكن في هذا الحي و ملاحظة أي فرد غريب يدخل اليه.

وهذا بدوره جعلهم يراعون في سلوكهم عدم الاساءة الى أي فرد من أفراد الحي و بالتالي قل الانحراف والسلوك الخاطئ. أما بالنسبة للبيت الواحد فكل أفراده يتبعون نفس العائلة ، زلا يوجد أي فرد غريب بينهم. و هذا النوع من العلاقاتبين السكان و الذي انسجم بشكل كبير وقلل من الانحرافات والمشاكل التي عانت منها المدينة .

وهذا على عكس مايحصل في وقتنا الحاضر حيث تعاني مدينة القدس من العديد من الانحرافات والسلوكيات الخاطئة.

فأصبحت أزفتها وكراً لتعاطي المخدرات وارتكاب الجرائم ، وأصبحنا نسمع عن العديد من الانحرافات التي تحدث داخل المساكن في تلك المدينة. ز يعود ذلك بشكل أساسي الى اختلاف طبيعة السكان في تلك الأحياء ، حيث أصبح البيت الواحد يضم أكثر من عائلة لا تربط بينهم علاقات قربى و من المعروف أن طبيعة تلك المساكن من حيث تجاور حجراتها واشتراكها في خدمات صحية واحدة لا يسمح بوجود عائلات لا تربط بينهم علاقات قربى نظراً لما قد ينتج عن ذلك من انحرفات و سلوكيات خاطئة . و يعود هذا الاختلاف في طبيعة السكان في البلدة القديمة في جزء كبير منه الى سياسة الاحتلال التي تعمل بشكل دائم ومستمر على جعل تلك المدينة مكان غير صالح للسكن بدافع ترحيل الموطنين منها لتحقيق هدفهم في تهويد مدينة القدس.

فقد قامت السلطات الاسرائلية بعرقلة نمو الاسكان العربي من خلال ثلاث عوامل:

1-قيام السلطات الاسرائلية بو ضع حد لحجم الاراضي المتوفرة في منطقة القدس للمقاولين العرب ، نتيجة لسياسة مصادرة الاراضي ، الامر الذي أجبرهم على البناء خارج حدود القدس.

2-وجوب تسليم خطط البناء الى البلدية للتصديق عليها والحصول على تخيص بذلك وفي واقع الامر، فان عرب القدس لم يقدموا من اوروبا أو روسيا أو أمريكا، فهم من القدس ويفضلون العيش في بيوت ذات طابع عربي، وبسبب مشكلات تحديد المساحة وقصر تراخيص البناء على شقق يتراوح ارتفاعها بين 6-8 طوابق، فانه لا يتم التصديق على الكثير من التصميمات المقدمة. و لذلك فانه لايتم منح التراخيص، و حتى في حال التصديق على التراخيص فان المصادقة لا تصدر قبل أقل من أربع سنوات وتكمن أسباب التعطيل في دراسة موقف الأراضي العربية المخصصة للبناء في ضوء التنمية المستقبلية التي قد تضعها الحكومة الاسرائلية.

3- و قد عرضت القروض المالية العقارية لمقاولي بناء المساكن، ولكن الكثير من المواطنين العرب يعملون بشكل مؤقت أو متقطع ، والبعض منهم يعتمد على العمل في مشروعات البناء الاسرائلية ، وفي هذه الحالة فان القبول بقرض مالي أو عقاري يتضمن مخاطر فقدان حق الملكية بسبب احتمالات العجز عن السداد.

فالسيسة الاسرائيلية تعمل باستمرار على تضيق الخناق على البلدة القديمة بحيث لاتسمح لها بالتوسع بشكل يتناسب مع الزيادة السكانية فيها مما شكل ضغط على نفسية المواطنين ودفعهم هذا الضغط و اليأس الى ممارسة بعض السلوكيات الخاطئة.

وبهذا يتبين لنا أنه لا يمكن لنا الفصل بين التخطيط و طبيعة السكان ، نظراً لمل له من تأثير كبير على السلوكيات الناتجة .