يتساءل الكثير من المسلمين ماذا يترتب على المسلم أن يفعل في هذا الزّمان الّذي كثر فيه الفساد وكثرت فيه الفتن؟!

أيكفي المسلم أن يقوم بفرائضه، ويجتنب المحرمات؟!

أيكفي المسلم أن يصوم رمضان، ويصلي الصّلوات الخمس، ولا يشرب الخمر، ولا يأكل المال الحرام، ولا يزني، فيسمّى بذلك مسلماً، ويعد قائماً بحقوق الإسلام، أم إنّه مطالبٌ بأكثر من ذلك؟!

وهل تترتّب عليه واجبات أخرى غير هذه الواجبات الواضحات؟!.




وحتّى نعلم أيّها الأحبّة ماذا يترتب على المسلم من واجبات في هذا الزّمان لابدّ من أن نضرب لذلك مثلاً، هذا المثل من شأنه - لو فهمناه - أن يوضح لنا كم نحن مطالبون بأن نفعل أشياء كثيرة، ويوضح لنا كم نحن مقصّرون في فعل ما هو مطلوب منّا، لو أنّك أردت أن تشتري قطعة قماش لتصنع منها ثوباً متيناً يبقى معك زماناً طويلاً، سألت عن باعة الأقمشة في مدينتك فأخبروك أنّ باعة الأقمشة جميعاً موجودون في سوقٍ واحد، ذهبت إلى ذلك السّوق فرأيت أحد المحالّ قد وضع دعاياتٍ كثيرةً تدل على محلّه، من قبل أن تصل إلى السّوق سمعت عن هذا المحل، قرأت عنه في الصّحف الإعلانيّة، ورأيت دعاياتٍ له في الطّرقات، وسمعت بعض الدّعايات له في الإذاعة، فصار مشهوراً عندك يرغّبك في زيارته ويحضّك على الشّراء من عنده، وعندما اقتربت من السّوق وجدت لافتاتٍ كثيرةً متناثرةً هنا وهناك تدلّك على طريق هذا المحلّ، تضع لك أسهماً تشير إليك إلى موقع هذا المحلّ في السّوق، ألا تشعر بالرّغبة في الذّهاب إليه؟ بلى.


تمضي باتجاه هذا المحلّ، فتصل إلى الشّارع الّذي يقع فيه هذا المحلّ، فتجد موظفين وقفوا لاستقبالكّ يرحّبون بك، ويبتسمون في وجهك، يقولون لك: مرحباً وأهلاً وسهلاً، شرّفت محلّنا تفضّل، إنّك تجد نفسك في هذه الحالة منجذباً بطريقةٍ لا شعوريّة نحو هذا الدّكّان، تقترب منه فتجد لافتةً كبيرةً جداً موضوعةً فوق هذا الدّكّان تعرّف به، باسمه، وماذا يعمل، وماذا يبيع، وما هي البضائع الّتي يحتويها هذا الدّكّان، والأضواء الموضوعة خارج الدّكّان تجعل اللّيل نهاراً، تقترب أكثر وأكثر فتجد زيناتٍ، وتجد " ديكور " متميّزاً جداً داخل هذا الدّكّان، تدخل لتشتري منه فيستقبلك الباعة في داخل الدّكّان بابتسامةٍ ظاهرةٍ على محيّاهم، يرحّبون بك ويقنعونك ببضاعتهم بشتّى الوسائل، ويعطونك حججاً وبراهين مقنعةً بأنّ بضاعتهم هي خير بضاعة في السّوق، ثمّ إذا اشتريت من عندهم أعطوك مع ما يبيعونك هدية، ودعوك لأن تزورهم مرّة أخرى، كلّ هذه الأمور الجذّابة المغرية موجودةٌ في هذا الدّكّان، غير أنّ هناك مشكلةً واحدةً فقط في هذا الدّكّان هو: أنّ البضاعة الّتي يبيعها بضاعةٌ سيئةٌ جداً، فقطعة القماش الّتي تشتريها اليوم تصنع منها ثوباً تلبسه مرّةً واحدةً ثمّ ترميه في القمامة، هذا هو الشّيء الوحيد السّيئ، هو الشّيء الّذي تريده، وأمّا كلّ شيءٍ آخر فإنّه جذّاب مغرٍ، فماذا تفيد هذه الزّينات وماذا يفيد هذا الأسلوب الجميل وهذه الدّعايات إذا كانت البضاعة سيئة؟!

ولكنّ كثيراً من النّاس تهمّهم الدّعاية وتهمّهم الجاذبيّة والإغراء أكثر ممّا يهمّهم نوع البضاعة الّتي يشترون، في هذا السّوق دكّانٌ متميزٌ جداً، عنده وكالة قماشٍ فاخر هو أفخر قماشٍ في العالم، هذا الدّكّان له الوكالة الحصريّة لهذا القماش في البلاد، لا يوجد هذا القماش إلاّ عنده، ولكنْ قليلون الّذين سمعوا بهذا الدّكّان
قليلون الّذين عرفوا شيئاً عن هذا القماش الفاخر الّذي يوجد حصراً عند هذا البائع، سمعتَ من بعض النّاس كلاماً يفيد أنّ هذا الدّكّان عنده بضاعة فاخرة فجرّبت أنّ تذهب إليه، سألت عنه في السّوق فلا أحد يعرفه، ليست له دعايات، وليس له أيّ نشاطٍ تعريفيّ يعرّف النّاس بموقع دكّانه، بنوع بضاعته، بمزاياها وما يميّزها عن غيرها، ومع ذلك بحثت وبحثت إلى أن وصلت إليه، وجدته في زاويةٍ مهملةٍ من السّوق وليس على باب الدّكّان أيّة لافتة تعرّف بما يبيع هذا البائع، مع أنّه يبيع أفخر بضاعةٍ في السّوق، دخلت إليه فوجدت الظّلام دامساً في الدّكّان، ووجدت الغبار متراكماً فوق الرّفوف، بحثت عن البائع، لم تجد بائعاً، ولم تجد معرّفاً، ولم تجد مستقبلاً،،، بحثت أنت عن البائع داخل الدّكّان فوجدته شبه نائمٍ في زاويةٍِ من زوايا الدّكّان، سلّمت عليه وسألته عن بضاعته، فنظر إليك باشمئزاز
نظر إليك بتكاسل وكأنّه يريد أن يطردك لئلاّ يتعب ولئلاّ يبذل جهداً في القيام والبحث عن البضاعة والسّؤال والجواب ثمّ البيع، ومع ذلك أنت تريد أن تشتري بضاعةً جيّدة، وأنت متأكد أنّ البضاعة الجيّدة موجودةً حصريّاً عند هذا البائع، ماذا تصنع؟
لا تهمّك المعاملة السّيّئة، ولا يهمّك هذا الإنسان السّيئ، لأنّك تريد بضاعته ولا تريد شخصه، تصابر إلى أن تحصل على بغيتك، مع أنّ هذا البائع ينفّرك من بضاعته ويكاد يطردك من دكّانه، ومع ذلك فإن كنت عاقلاً فإنّك ستصرّ على الشّراء منه، ولكنْ كم الّذين يفعلون هذا؟!
كم الّذين يصرّون على الشّراء من هذا البائع؟!
إنّهم قليلون، والغالبيّة العظمى من النّاس لن يصلوا إلى البائع أصلاً، لأنّهم يتبعون الدّعاية الّتي تغريهم ولا يبحثون عن شيء لا يعرفونه، وحتّى ولو سمعوا بهذا الشّيء ثمّ جاؤوا يزورونه فرأوا هذا الظّلام، ورأوا هذا الغبار، ورأوا هذا الإهمال، فإنّهم لن يفكّروا بالشّراء منه وحتّى لو دخلوا من أجل الشّراء منه ورأوا هذه المعاملة السّيئة فإنّهم سينفرون، ويقولون: إذا كانت هذه البضاعة عند أمثالك فإنّني أبيت ولا أريد أن أشتريها.


أيّها الأحبّة هذا هو مثل المسلمين مع إسلامهم، وذاك هو مثل أصحاب الأديان الأخرى في هذا الزّمان, المسلمون أيّها الإخوة أصحاب رسالة أعطاهم الله سبحانه وتعالى شرفاً عظيماً وخصّهم بالوكالة الحصريّة للدّين المرضي عند الله سبحانه، فهم وحدهم حملة لواء الحقّ، وعندهم لا عند سواهم الشّرع الّذي يُرضي الله سبحانه وتعالى، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * }[i]
عندهم الكتاب الّذي من أعتزّ بغيره ذلّ، ومن اهتدى بغيره ضلّ، ومن استمسك به فقد هدي إلى صراط مستقيم، عندهم الشّرع الّذي يهدي النّاس إلى سعادة الدّارين الدّنيا والآخرة، عندهم شريعةٌ كاملةٌ لم تدع للإنسان شاردةً ولا واردة في دينه ودنياه إلاّ وعلمته كيف تكون، وهدته إلى صلاحه فيها، المسلمون هم حملة هذا الدّين العظيم ولكنّهم كأمثال ذلك البائع الّذي عنده وكالةٌ حصريّة لبضاعة فاخرة، ولكنّه ليس أهلاً لهذه الوكالة، لم يقم بالدّعاية لها والتّعريف بها ثمّ لم يدعو النّاس بأسلوبه الجميل إلى الشّراء منها، بل لقد نفرهم، وبطريقةٍ عمليّةٍ قال لهم:
إيّاكم ثمّ إيّاكم أن تأتوا إلي وتأخذوا عني، إيّاكم ثمّ إيّاكم أن تتبعوا ديني

لقد حذّرهم من ذلك بأفعاله ونفّرهم من ذلك بأحواله، ففقد النّاس خيراً عظيماً، وخسروا سعادة الدّنيا والآخرة بسبب سوء تمثيل هذا الوكيل للبضاعة الرّائعة الفاخرة الّتي خصه المنتج بها، هذا الوكيل السّيئ المسيء المهمل إذا سمع المنتج بأخباره ماذا يصنع؟

إذا سافرت يوماً ما إلى بلد المنشأ الّذي تنتج فيه هذه الأقمشة، ووصلت إلى المعمل الصّانع لها والتقيت بصاحب المعمل، سيسألك كيف أحوال بضاعتنا في بلادكم؟

تقول: له نحن لم نسمع ببضاعتكم أساساً، يقول لك: كيف وقد وضعت وكيلاً في بلادكم وخصصته بشرف وكالة بضاعتي الفاخرة الّتي يتخاطفها النّاس في البلاد الأخرى؟!!
فتقول: والله لم نسمع بها أبداً، وإذا كنت من أهل الإطلاع، تقول له: نعم أعرف هذه البضاعة، وأعرف هذا الوكيل، ولكنْ أنا أعرفه وكثيرون لا يعرفونه، وحكيت له عن أخباره، وحكيت له عن إهماله، وعن معاملته السّيئة، وتنفيره للناس...

إنّه بالتّالي لا يضرّ بنفسه فقط، بل يضرّ بالبضاعة ويجعل سوقها كاسدة، مع أنّها بضاعةٌ رائجةٌ لو عرضت عرضاً جيّداً، ماذا يصنع المنتج في هذه الحالة أيّها الأحبّة؟

عندما يسمع أخبار الوكيل وتقصيره وإهماله في عرض البضاعة الفاخرة ماذا يصنع المنتج؟
الأمر بسيط إذا كان التّقصير يسيراً يرسل إلى الوكيل تنبيهاً ثمّ تنبيهين إلى أن يصلح أحواله، وأمّا إذا كان التّقصير كبيراً، واستمرّ التّقصير، ولم ينفع التّنبيه، فلن يجد المنتج بدّاً من أن يسحب هذه الوكالة من هذا الوكيل، ويقول له: لقد جرّبتك ولم تكن أهلاً لهذا الشّرف، ولم تكن أهلاً لهذه المزيّة الّتي خصصتك بها، لذا سأسحب منك الوكالة وأعطيها غيرك، لقد أسأت كثيراً إليّ وإلى بضاعتي، وأعطيت صورةً ناقصةً، وربّما صورةً مشوهةً ومغلوطةً عنّي وعن إنتاجي بسبب سوء تصرّفك وسوء تمثيلك لي في بلدك.


أيّها الأحبّة هذا ما نفعله اليوم مع الإسلام، هذا ما يفعله المسلمون مع الإسلام إنّهم منفرّون يدعون النّاس إلى الابتعاد عن الإسلام بطريقة غير مباشرة، يقولون لهم: إيّاكم ثمّ إيّاكم أن تأتوا إلى ديننا، نحذّركم أن تأخذوا عنّا هذا الدّين، ها نحن أولاء نماذج سيئة لهذا الدّين، لأتباع هذا الدّين، معاملةٌ سيئةٌ، أخلاقٌ سيئةٌ، تقصيرٌ في التّطبيق، انحراف عن المنهج، فأيّ شيءٍ يدعوكم إلى أن تتبعوا ديننا؟


النّاس أيّها الأحبّة حائرون متخبطون، الإنسانيّة كلّها تبحث عن الضّياء الّذي ينقذها من ضلالاتها ويبدد لها ظلامها الّذي خيّم مئاتٍ من السّنين، النّور موجود، النّور نملكه نحن، النّور أعطانا الله إياه { قَدْ جَاءكُم مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * }[ii]

الإنسانيّة حائرة تبحث عن الهدى، والهدى عندنا { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }[iii]، الإنسانيّة ضائعة، الإنسانيّة عطشى تبحث عن الماء الّذي يرويها وينقذها قبل أن تموت، والماء عندنا بأيدينا ولكنّنا نمنع النّاس من أن يشربوا منه، حتّى نحن لا نشرب منه، حتّى نحن عطاشٌ نبحث عن الماء عند الآخرين، والماء عندنا والآخرون يبحثون عنه، أيّ غباءٍ وأيّ إساءةٍ هذه الّتي فعلناها مع ديننا مع هذه الحضارة العظيمة الّتي ورثناها عن الأنبياء والمرسلين...

[i] آل عمران: {85}.

[ii] المائدة: {15}.

[iii] الإسراء: {9}.




المصدر:
http://www.fikrwatazkiya.com/sound_f.../fk_008_01.wma