وجدت الجزء من المقال على موقع جريدة الرياض على الانترنت ، وهاهو :
تشكيل هوية المتلقي (1)
د. مشاري عبدالله النعيم
يبين (بياجيه) ان وعينا بالقضاء قائم على اسكيمات عملياتية Schemata) تعني المعادلات الحسية الحركية للمفاهيم، في كونها تسمح للطفل بالتعامل مع مواضيع مختلفة من صنف واحد، ومع حالات مختلفة لموضوع واحد. وبالمعنى العام تعني الاسكيمات: البنى عند أي مستوى من التطور العقلي)، وهي تشير للخبرات في الأشياء، ويؤكد ان الاسكيمات مقررة ثقافياً وتشتمل على خصائص كيفية ناتجة عن الحاجة للتوجه الوجداني للبيئة، فادراك الفضاء يقتضي بناء تدريجياً ومن المؤكد انه لا يوجد جاهزاً في مستهل التطور العقلي. ويؤكد ان فكرة عالم مبني تتطور تدريجياً اثناء الطفولة. ويشير إلى فكرة "الحفظ" بأكثر الخبرات الأساسية تفيد ان الأشياء دائمية، رغم انها قد تختفي وتعود مرة أخرى، فالهدف هو إنشاء مواضيع دائمية تحت الصور المتحركة للادراك المباشر وهذا يعني أولاً ان الطفل يتعلم التمييز وإنشاء عالم كنظام تشابهات، وثانياً انه يربط الأشياء المتميزة بأماكن معلومة، واضعاً اياها في كلية أكثر شمولاً، في فضاء. وينتهي (بياجيه) إلى ان العالم مبني من تكتل المواضيع الدائمة الموصولة بالعلاقات السببية المستقلة عن الذات والموضوعة في الفضاء والزمان. ويؤكد (تربرغ شولز) ان عالم الطفل متمركز ذاتياً، فالطفل، حركياً وادراكياً، لا يمتلك سوى مقدرة ضعيفة في الوصول إلى محيطه، والصورة البيئية له تتألف من عدد قليل من العناصر، لكن هذا لا يعني ان عالم الطفل مختلف عن عالم الآخرين، وهذا ما جعل (بياجيه) يقول ان فضاء الطفل يمكن ان يرى على انه مجموعة من الفضاءات المنفصلة، كل منها يتمركز بالكامل على نشاط مفرد.
نحاول ان نتحدث هنا عن قضية مهمة ومهملة في نفس الوقت، رغم انها قضية مركزية في تطور أي عمارة، فمسألة تشكيل هوية المتلقي هي مسألة تحاول أن تستحضر المقولة المعروفة "العمارة الجيدة بحاجة إلى عميل جيد"، أي حتى تكون لنا عمارتنا المتميزة نحن بحاجة إلى مجتمع يعي قيمة التميز في العمارة، لأنه في النهاية هو الذي يبني وهو الذي يجعل المعماريين يبحثون عن تلك العمارة المتميزة. ربما نحتاج ان نطرح بعض الأسئلة حول الكيفية التي يمكننا بها تهيئة المجتمع الذي يمكن ان يطلب عمارة راقية؟ وهل فعلاً نستطيع تشكيل هوية المتلقي لكي يسعى لصناعة عمارة راقية، وربما تكون هذه الأسئلة هي مجرد بداية لفهم تركيبة المجتمع ثقافياً، فدون فهم هذه التركيبة لا يمكن ان نفهم المتلقي الذي نريد منه ان يطلي ان تكون البيئة العمرانية التي يعيش فيها جيدة.
لعل ما ذكره (بياجيه) و(شولز) حول أهمية التطور التدريجي لفهم وادراك الفضاء المعماري يجعلنا نثير مسألة الثقافة المعمارية التي يجب ان يعيها ويتعلمها ابناؤنا منذ الصغر، وربما الحديث يتجاوز العمارة ذاتها إلى تربية الذوق الجمالي الذي نفتقر إليه بشدة في مدارسنا وفي حياتنا اليومية. وحتى اقلص مفهوم "تشكيل هوية المتلقي" في المسألة الجمالية، أود ان أذكر للقارئ العزيز ان المسألة مرتبطة بوعي المجتمع جمالياً وثقافياً واقتصادياً وتقنياً، والتربية من الطفولة هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن يشكل هوية المتلقي مستقبلاً ليطلب، ليس فقط عمارة متميزة، بل مجتمعاً متميزاً ربما نشير كذلك أهمية وجود الأمثلة الحسية التي تجعل من المتلقي يعي الفرق بين الجيد والرديء وان نسعى جاهدين أن نبين هذا الفرق، لا أن نتعامل مع كل ما يحيط بنا بسلبية.
nmashary @ yahoo. com
جريدة الرياض 19/6/1422 الموافق 7/9/2001
لم يبق علينا سوى رقم (2) حتى الآن والباقي ان كان هناك شيئا سأعمل على توفيره .