هل العولمة أسم جديد في تأريخ البشرية ؟ فإذا اخذ تعريف العولمة كما تقره المعاجم باللغة الانكليزية فانها " جعل الشئ عالميا، خارج حدود محيطه "، فهي ليست جديدة و على أي حال لم تكن كذلك في مجال الفن والعمارة، ولكن بتأثير بطئ يعود الى مستوى التطور التقني في الاتصالات، وكانت مؤثرة على اقل تقدير قرن من الزمان قبل ابتكار التسمية. فتأثير الفنون الأوربية كان كبيرا على فنون الولايات المتحدة الأمريكية في حقبة العشرينات من القرن الماضي.
في القرن التاسع عشر ظهرت فيها مدرسة شيكاغو في العمارة التي كانت لها تأثيرها هي الاخرى خارج حدودها. وبدأت إنجازات امريكا وحسب تلك المدرسة وطرازها في مجال البناء تثير الإعجاب. بعد الثورة الصناعية والتطور في استخدام المنتجات الصناعية اصبحت الاعمال اليدوية الفردية مكلفة وتحتاج إلى وقت طويل لانجازها، مما خلق خلفية اجتماعية لظهور طراز فني مغايير للطراز التاريخي في الفن والعمارة الذي كان سائدا في أوربا في نهاية القرن التاسع عشر. وكان تقبل الطراز الجديد من الناحية النظرية ايضا يتمثل في التخلص من الماضي وأساليبه الفنية القديمة والتطلع إلى الجديد ، خاصة والقرن العشرين كان على الأبواب. ولقي هذا الطراز إقبالا من قبل الفنانين الشباب وسمي بأسماء مختلفة. وكانت ولادته في العام 1896 مأخوذ من اسم مجلة “Die Jugend”، أي الشباب التي صدرت في مدينة ميونخ الألمانية.
وفي بريطانيا البلد الذي بدأت فيه الثورة الصناعية تطور ذلك التيار الجديد على يد وليام موريس “William Morris,1834–1896” تحت شعار الفن والعمل اليدوي “Arts and Crafts” ولقي اقبالا وكان القاعدة النظرية لذلك الاسلوب الفني الجديد الذي اطلق عليه اكثر دقة ، أسم طراز الشباب “Jugendstil”. انتقل طراز الشباب كالنار في الهشيم إلى خارج حدود المانيا وبريطانيا، إلى فرنسا وبلجيكا حيث سمي بالفرنسية “Art nouve” أي الفن الجديد معبرا اكثر دقة عن نفسه لغويا.
وبعد ان اصبح طراز الشباب او الارت نوفو يمثل روح العصر في بداية القرن العشرين ويصل فلى قمته تملك ناصية السوق الفنية الاوربية انتقل الى الولايات المتحدة الأمريكية.
وانتقال حمى الطراز الجديد اليها كان بجانبيه النظري والعملي ويعطي مفعوله السريع عندما وجد الارض الخصبة والامكانات الكبيرة المادية والرغبة لتقبل الجديد. كانت مدينة نيويورك وولاية فلوريدا (مدينة ميامي) تحديدا الارض التي برزت عليها الامثلة المهمة والمشهورة التي بنيت تحت تأثير ذلك الطراز.
يلقى هذا الطراز اهتماما غير عادي ويسمى باسم “Art Deco”. وكانت لهذا الطراز بداية في معرض باريس عام 1925.
فساحل مدينة ميامي “Miami Beach” له تأريخ في مجال تأريخ العمارة، ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة، وانما على مستوى العالم ومنذ عام 1915 عندما بدأ الاهتمام في المنطقة كمنتجع شتوي في انشاء فنادق سياحية لما تزخر به من طبيعة جميلة ومناخ دافئ في شتاء بارد في اغلب الولايات الامريكية وكذلك الخضرة الدائمة فيها. وعن طريق تلك المباني خط تأريخ العمارة الأمريكية الذي يحتل فيها طراز "آرت ديكو" موقعا هاما وفريدا ليس على خارطتها فحسب وانما في تأريخ الفنون والعمارة العالميتين.
فمن اين جاءت تسمية هذا الطراز “Art Deco” في اللغة الانكليزية ؟
فهذا الطراز يعتبر امتدادا للطراز الاول الذي انتشر في اوربا الغربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين واخذ عدة تسميات مختلفة وهي كلها تشير إليه : الفن الحديث واليوغند ستيل والآرت نوفو . ان التعبير الذي يشير ايضا لحي مشهور في ساحل ميامي يتكرر على لسان سكان المنطقة وعلى لسان السواح من الداخل الولايات المتحدة ومن خارجها. اخذ الاسم من شعار احد المعارض الفنية الذي مثل فن الديكور واقيم في باريس عام 1925 تحت عنوان "المعرض العالمي لفن الديكور والصناعة الحديثة" ( Exposition Internationale des Arts Decoratifs et Industriels Modernes) تحت “Art Deco” لكي يمثل نوع من الفنون المصممة بنمط جديد، شمل عالم الأزياء وكل المنتوجات المصنعة او اليدوية الفردية المترفة.
وعلى الرغم من مستوى الرفاهية الذي مثلها الطراز، لكنه بني على البساطة ووضوح الشكل وبخطوط رشيقة وتصاميم هندسية غير معقدة.
اما في مجال العمارة فكان تاثير الباوهاوس “Bauhaus” الالماني واضح عليه كما هو الحال تأثير الفنون الاسلامية وفنون الشرق الاوسط والاتجاه التكعيبي في الرسم. فغطى الطراز مجالات مختلفة كاعمال الزجاج والمعادن والاثاث وفي فنون الزخرفة في العمارة.
واستمر الاهتمام بهذا الطراز خاصة في مجال الأزياء، الذي اوقفته الحرب العالمية الثانية. وفي ستينات القرن الماضي عاد الاهتمام به من جديد. فمدينة ميامي وساحل مدينة ميامي بالذات “Miami Beach” الذي يمتد لعدة كيلومترات في شارع اوشيان درايف “Ocian Drive”، يعتبر المتحف الثابت لامثلة هذا الطراز التي تثير الاهتمام على المستوى المحلي والعالمي.
ان منطقة ميامي بيج في شكلها الحالي تعيد صورة بيروت او بغداد في منتصف القرن الماضي مع تقنية القرن الواحد والعشرين. ودخل طراز “Art Deco” والمباني التي شيدت حسبه ضمن قائمة الاماكن الأثرية للولايات المتحدة وهي تعتبر من اهمها في القرن العشرين
وتعتبر ميامي واحدة من اهم المدن التي تظم حي كامل بني بهذا الطراز. وتحمل المنطقة اسم حي "آرت ديكو " وتبلغ مساحته حوالي كيلومتر ونص كيلو متر مربع يمكن اعتباره فريد في العالم في جمعه طراز معماري واحد.
فالمباني التي تظمها المنطقة التي تحمل اسم الطراز اغلبها بنيت بطابق واحد او طابقيين وقليل منها بثلاث طوابق. واجهاتها مسقولة بالسمنت تتوزع عليها شبابيك مربعة او مستطيلة مصنوعة من الحديد وكذلك علب اجهزة التبريد تحدد عدد الغرف. كما تدور في سقف الغرف وكذلك الممرات والشرف مراوح كهربائية تضفي جمالا خاصا في الوقت الذي اصبحت فيه اجهزة التكييف المركزية شئ عادي في جميع بنايات ميامي.
كما وان هناك بنايات صممت وبنيت بالطراز العربي الاسلامي في الاندلس بشبابيك حدوة الفرس واعمدة وعقود اسلامية مختلفة وجملونات غطيت بالقريمد الاحمر في جو لا يحتاج لسقوف مائلة وكذلك غطت بعض شبابيكها مشربيات شرقية . واحسن الامثلة على ذلك الفيلا التي ملكها فيساجي، مصمم الازياء الايطالي المشهور الذي اغتيل امامها قبل عدة سنوات.
كما وان تأثير العمارة العربية الاسلامية في اسبانيا تغطاها إلى تخطيط قرية كاملة في منطقة كورال غيبل بالمباني واسماء الشوارع والميادين. ففيها شارع غرناطة، وشبيليا والحمراء وغيرها. ولربما فندق بالتمور يعتبر المثال الرائع لتلك العمارة في ميامي وضواحيها وقد صمم برج المبنى على غرار منارة جامع قرطبة .
واجهات المباني المشيدة بطراز "ارت ديكو" تمتاز بخطوط افقيه او عموديه او كليهما مبنية على شكل نتوء بارز من الخرسانة . النتوء يتحول إلى عنصر انشائي يظلل الشبابيك من شمس فلوريدا الساطعة. فجميع واجهات المباني مختلفة النسق والاساليب الإنشائية في مداخلها. تمتاز بشبابيك مصنوعة من الحديد مربعة او مستطيلة وهي مقسمة إلى قطع صغيرة مربعة. تغطي الشبابيك في بعض الاحيان شبك من الحديد معمول بشكل زخرفي كالذي يستخدم في عمارة المغرب العربي، وكذلك فوقها بروز من الخرسانة كحماية من اشعة الشمس. وتمتاز الواجهات ببروزات بعمق عشرة الى عشرين سنتمتر والسمك نفسه وهي تمتد افقيا او عموديا على الواجهة ملونة بالوان مختلفة وكذلك واجهات البنيات. الالوان التي تشترك فيها جميع مباني هذا الطراز وهي الوان هادئة فاتحة بين الازرق الفاتح والبرتقالي والاخضر الفاتح وتناسق بين تلك الالوان في الواجهة الواحدة وهي موزعة على سطوح الواجهات مبرزة عناصرها المعمارية والنتوئات الجمالية المحيطة بالشبابيك او الشرف المختلفة . وتمتاز وجاهات حي "آرت ديكو " باستخدام انابيب النيون مختلفة الألوان للاضاءة الخارجية ولاضاءة مداخلها، حتى غدى استخدام هذا النوع من الاضاءة مرتبط بهذا الطراز. تغطي واجهات المبنى المصممة بهذا الطراز،كما هو الحال في الطراز الأم عناصر نباتية ( وفيه نماذج من نباتات استوائية او طائر النسحام، البشروس، الطائر المائي) يظمها اطار خرساني يبدأ من اعلى المبنى وإلى مستوى المدخل. وتعتبر البناية "البرج سكار" التي بنيت عام 1929 اول البنايات التي بنيت بهذا الطراز المعماري الفريد في ولاية فلوريدا ومدينة ميامي بالخصوص. فبالإضافة إلى المباني السكنية والفنادق والمحال التجارية بنيت مباني حكومية اخرى مثل مبنى دائرة البريد المركزي لمدينه ميامي وكذلك دائرة البريد في ساحل ميامي. وبدأ الاهتمام بهذا الطراز عند الطفرة الاقتصادية في بداية عشرينات القرن الماضي.