بسم الله الرحمن الرحيم
الطابع المذهبي في المجتمع الإسلامي قبيل الحملات الصليبية
المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت لم يعدم المخلصين من الدعاة العاملين وكان هناك نشاط إسلامي دؤوب إلا أن هذا النشاط بشكل عام اتسم بالمذهبية والانقسام بمعنى أن الولاء الحقيقي كان للانتماء المذهبي أكثر من الولاء للفكرة التي تحملها الجماعة وفي ذلك الوقت أبرز من ظهر من الجماعات الحنابلة والأشاعرة الشافعية على أن أصول هذه الجماعات هي مدارس فكرية قامت على الاحترام المتبادل والمحبة والمودة ( كمدرسة سفيان الثوري ومدرسة أبي حنيفة ومدرسة الشافعي ومدرسة أحمد بن حنبل ) وأغلب رجالاتها تتلمذوا على أيدي بعضهم البعض لكن تطورت هذه المدارس الفكرية إلى مذاهب تشبه الأحزاب والجماعات في زماننا
ومنذ النصف الثاني للقرن الخامس الهجري دخل أشياع هذه المذاهب في صراع مذهبي استنفد جهود الجميع في ميادين لا طائل تحتها ووسم جوانب الحياة الثقافية والاجتماعية بالسلبية والجمود وقسم الأمة إلى فرق متناحرة متنافرة ودحر قضاياها الرئيسية إلى هوامش اهتمامات هذه المذاهب والفرق
كانت المشكلة الرئيسية أن كل جماعة اعتبرت نفسها صاحبة الحق الوحيد في التواجد على مسرح الحياة الإسلامية بسبب تاريخ أسلافها المجيد
فالحنابلة: بسبب جهاد من سبق منهم منذ أيام ابن حنبل وبسبب المحن التي عانوها _ أصيبوا بداء العجب بضم العين أصبحوا يرون أنفسهم أوصياء على المجتمع الإسلامي وأنهم هم وحدهم أهل السنة والفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية
والأشاعرة الشافعية: بسبب دور الإمام أبو الحسن الأشعري في دحض عقائد المعتزلة فقد كانوا يعانون من عقدة الاستعلاء الثقافي ويرون أنفسهم أهل الثقافة والفكر ويرمون الحنابلة بالسطحية وضيق الأفق
وبذلك استنزفت هذه الصراعات الطاقات ونشأت العصبيات وظهر الإرهاب الفكري بحيث لا يمكن لمستنير من أحد المذاهب أن يتفاعل مع نظائره من المذاهب الأخرى وألزمه بالاقتصار على كتب المذهب وتصانيفه فقط فإذا خرج أحد على تقاليد المذهب أصبح هدفاً للاتهام بالنفاق وعدم الالتزام والخروج على تعاليم المذهب مهما كانت منزلته العلمية أو رتبته المذهبية
لكن أخطر الآثار الفكرية للحزبية المذهبية هو انقطاع أتباع المذهب عن الاتصال المباشر بالقرآن والسنة والتوجه بعقولهم وأسماعهم وأبصارهم إلى مؤلفات رجال المذهب على اعتبار أنها الفهم الصحيح المطلق للقرآن والسنة فتعطل الفكر الإسلامي وتعطل الاجتهاد لأن المختصين تحولوا من الاتصال المباشر مع الكتاب والسنة إلى الالتزام بكتابات أئمة المذاهب والانغلاق عن التفاعل مع الآخرين
يتبع بإذن الله
ملحوظة: هناك أمثلة تاريخية مذكورة في الكتاب يضيق الوقت عن ذكرها هنا فأنصح من يريد الاستفاضة بالرجوع إليها