بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ نقاشنا ان شاء الله .... عن أقمار البث التلفزيوني
و هنا أستعير مقاله علميه كتبها د مهدي السعيد .... لتوضيح و تقريب مفهوم البث الفضائي .... و لاستيعاب آلية عمل اقمار البث التلفزيوني
تاريخ مجموعة الاقمار الصناعية التي تدور حول كرتنا الارضية، هو اقدم من تاريخ الطيران الى الكواكب البعيدة، فالمؤلف أ. ي. كلارك يتذكر انه لم يصبح مليارديرا، لانه لم يسجل اختراعه لفكرة صناعة قمر الاتصالات الذي اصبح فيما بعد حقيقة ماثلة للعيان.
ولنعد بعض الوقت الى الخلف، لمشاهدة صورة الفترة القديمة التي كانت فيها المسافات بين القارات تشكل عقبة هائلة بالنسبة للمسافر وكذلك بالنسبة لانتقال الاشارات الكهربائية بين اصقاع العالم المختلفة.
فالكيبلات التي تنقل الاشارات الكهربائية عبرالاطلسي قد نصبت لاول مرة عام 1858، بهدف نقل الاخبار التلغرافية ، وكانت في ذلك الحين عبارة عن معجزة علمية استحوذت على اهتمام الرأي العام في كل مكان تقريبا، في حين كانت فكرة النقل من دون كيبلات عبر المحيط وكذلك تحليق المركبات الى الفضاء الخارجية عبارة عن حلم يراود البعض من العلماء المهتمين بالفلك.
نعم، كان ذلك كله، عبارة عن حلم!.. اما اليوم، فنحن نعرف ان النقل عبر المحيطات والتحليق الى الفضاء لم يعد امرا صعبا، فقد تحقق بفضل اصرار العلماء وجهودهم الكبيرة، وقد سجل في صفحات القرن العشرين الذي يوصف عادة بقرن الفضاء.
فضائل الخيال العلمي
وقد ولدت الفكرة بغزو الفضاء عند اولئك الذين تحدثوا حول الطيران الى الفضاء في القرن التاسع عشر، وكانوا يعتبرون ذلك في احسن الاحوال مجرد خيال او فانتازيا، ولكن كيف استطاع الخيال العلمي ان يلعب دوره في ميدان صناعة الاقمار الصناعية؟
هذا الامر ربما نجده في النصوص التي كتبها بعض كتاب الخيال العلمي، كما هي الحال بالنسبة الى قصة ادوارد هيل المعنونة: القمر القرميدي The Brick Moon، ففي عام 1869 فوجئ قراء مجلة The Atlantic الشهرية بهذه القصة التي تحمل افكارا جنونية، تتحدث عن قمرين مصنوعين من القرميد (الآجر)، يطلقهما الانسان الى الفضاء الخارجي، ويقومان بالدوران حول الكرة الارضية.
يقول في احد المقاطع: 'ماذا لو اطلقنا قمرين جديدين، واحد يدور حول نقطة غرينج والآخر حول مدينة نيواولينس، ويجب ان ننتبه اليهما كي لا يتصادم، وبذلك سوف يكون لدينا قمران، وسيكون في مقدرونا رؤية واحد منهما على الاقل في اكثرية الاماكن، ويجب ان يكون القمر كبيرا، ولكن خفيف الوزن، لكي يمكننا اطلاقه الى آلاف الاميال عبر الفضاء، لنضمن عدم سقوطه في مكان ما من العالم المجهول، ويجب ان يكون مقاوما للنار، والا يكون مصنوعا من الحديد، وانما من القرميد'.
ادوارد افيريت هيل Edward Everett Hale كاتب اميركي وقصته القصيرة The Brick Moon، كانت قد عرفت لاول مرة كقصة من الخيال العلمي وكوصف لصناعة الاقمار الصناعية.
ان التنبؤ بتطور العلم والطيران الى الفضاء الخارجي لم يكن مقتصرا على ادوارد ايفيريت هيل فقط، وانما كان هنالك كتاب آخرون شاركوه الخيال نفسه تقريبا، ومن بينهم الكاتب الحالم يوليوس فيرني، الذي اصدر عام 1879 قصة مشحونة بالتفاؤل والثقة بالعلم، وتناول موضوع الاقمار بل وتحدث آنذاك عن حرب عالمية ثانية ستحدث في المستقبل وهذا ما تم فعلا.
من الخيال إلى الواقع
الا ان التحول من منطق الخيال الى منطق الواقع والحقيقة بدأ يظهر في مكان آخر من العالم آنذاك، وبعد ان وصل موضوع الفضاء الى الدوائر العلمية المختلفة، فأول الاعمال التي تناولت موضوع الاقمار الصناعية كان من انجاز العالم الروسي كونستانتين ادواردوفيج كيولكوفسكي Konstantin Eduardovic Ciolkovski j، الذي حمل عنوان 'اختيار المسافة الفضائية باستخدام الانظمة الفعالة'. حيث تناول فيه موضوع صناعة الصواريخ، والذي ظهرت نظمه متعددة المراحل عام ،1903 ومنها الصاروخ متعدد المراحل الذي يستخدم فيه الوقود السائل المكون من الهيدروجين والاكسجين.
تسيولكوفسل ي، عالم روسي وسوفيتي، وقبل كل شيء هو رائد نظرية التحليق او الطيران الصاروخي، ويعتبر مؤسس علم الفضاء العصري.
وفي موسكو كان مواظبا على زيارة المكتبات ودراسة العلوم الطبيعية، ولكنه درس ايضا الادب الكلاسيكي، الا ان اباه لم يكن قادرا على مواصلة دفع اجوره الدراسية، لذلك استمر على نمط العيش تحت خط الفاقة.
وتعرف في موسكو على بينيكولاي فيديروف، وفلسفته حول الفضاء، وحسب الكثيرين ممن كتب سيرة تسيولكوفسك ي، فإن هذه المعرفة هي التي ايقظت عنده الرغبة الشديدة للتخصص في طيران المركبات الفضائية.
ففي عام 1929 اقترح تصميم صاروخ قادر على الانطلاق بسرعة 8 كيلومترات في الثانية. وحسب رأيه فإن باستطاعة هذا الصاروخ ان يستقر في اقرب نقطة على خط الدوران حول الارض.
لقد نشر تسيولكوفسك ي اكثر من 500 عمل علمي حول موضوع الطيران والتحليق الفضائي.
وكان العالم السلوفيني هيرمان بوتوخبيك قد قدم مساهمة حول فكرة الصاروخ، واصدر كتابا بعنوان 'اشكالية الطيران او التحليق الفضائي - محرك الصاروخ'، وقد اوجد رؤية لكيفية سكن الناس طويل الامد في الفضاء.
هذه الفكرة التقطها تسيولكوفسك ي، واضاف إليها فكرة بناء اقمار صناعية وانواع من الموانئ الفضائية لمواصلة السفر الى الفضاء والهبوط في هذه الموانئ من قبل المسافرين، وبهذه الفكرة اصبح الاب الروحي لما يسمى ب'المحطات الفضائية العالمية'.
واهتم ايضا بعلم الاتصالات الراديوية بين هذه الأقمار والارض، وامكان استخدامها كوسيلة للاتصالات بين موقعين على سطح الكرة الارضية.
اطلاق الاقمار
نعود الى ا.سي.كلارك ، ولماذا لم يصبح مليارديرا؟ اولويات الارسال الفضائي اقترحها او اخترعها العالم البريطاني الشهير مبتكر سي-في، ارتورسي.كل ارك عام 1945.
وقد تحدث في مقال له في مجلة wireless word بصورة واضحة عن اطلاق الأقمار الاصطناعية الى الفضاء الخارجي وهو حديث اكبر بكثير عن ان يكون مجرد عبارة عن كلام لكاتب ما.
وقد تناول كلامه بصورة دقيقة 'الوظيفة الايجابية للاتصالات بواسطة الاقمار الاصطناعية ' منطلقا بذلك من الصاروخ الألماني V2 الذي دمرت مصانعه القوات البريطانية ابان الحرب العالمية الثانية.
ومن بين افكاره، هذا المقطع 'يمكننا الآن ارسال مختلف المعدات الى طبقة الأوزون، لأن اجهزة القياسي ستكون اخف من الحمولة التي يحملها الصاروخ V2، وستكون حمولة الصاروخ ذاته اقل من ذلك'...
'الامكانات هي اكبر من ذلك، فالصاروخ الذي سيقطع مسافة 8 كيلو مترات في الثانية وهو ينطلق من سطح الارض سيدور حول الارض ويصبح بمنزلة القمر الاصطناعي.
وهذا الصاروخ يعرف الوصول الى السرعة الثلاثية ويمكن تقليص او تخفيف الكتلة، حيث ستدور بعض الأجهزة بصورة دائمة حول الأرض، وبالاستطاع ة بث او ارسال المعلومات من هذا القمر ولفترة طويلة بالقدر الذي يعتمد فيه على قوة البطاريات، لأن نصف الوقت سيقضيه القمر في ضوء الشمس المثالي، لذلك فإن حياته ستكون طويلة باستخدام الترمو - وعوامل الضوء الكهربائي' .. 'القمر الصناعي الذي يبعد في مسافة صحيحة عن الأرض، يكمل دورته خلال 24 ساعة، وبكلمة اخرى، فإنه يعود الى موقعه حسب النقطة المحددة له على سطح الارض، وبذلك فهو يغطي نصف الكرة الارضية، فإذا كانت هناك ثلاث محطات وتبعد كل محطة عن الأخرى نحو 120 درجة، فإن الارسال او البث التلفزيوني او الاشارات الماكروموج ية ستغطي كل الكرة الارضية'..
وقد ذكره بذلك فيما بعد موظفو شركة الارسال السيلانية. لقد تحققت فكرة كلارك هذه، لكن السؤال، لماذا لم يتم تسجيل هذه الفكرة في سجل الاختراعات ؟ السبب محزن وبسيط، فإن دائرة تسجيل الاختراعات ارادت منه نموذجا فعالا للاجهزة المقترحة.. لذلك توقفت الفكرة في حينها، لكنه على الاقل اصدر كتابا بعنوان 'كيف فقدت مليار دولار في اثناء وقت الفراغ'.
الاستخداما ت المدنية وأول بث تلفزيوني
ما عدا الاقمار الاصطناعية ، فإن هنالك نوع من الاقمار التي يطلق عليها اسم 'القتلة'، وعموما فإن الاقمار الاصطناعية ، اما ان تستخدم لاغراض علمية او لاغراض تجسسية، ولكن بصورة مبتكرة بدأت مرحلة اخرى، وهي مرحلة وصول الاقمار الى ميادين الخدمات المدنية والتجارية.
وكانت الاقمار التي اطلقت في البداية تدعى ب'الاقمار الخاملة' ولكن فيما بعد اصبحت اقمارا نشطة، واقمارا تبث اشارات راديوية مختلفة الاهمية والاغراض.
فالقمر 'ميلينيك' هو قمر تابع ل Telestar، وهو اول قمر للاتصالات، وقد اطلق من قاعدة فلوريدا في 1 يوليو 1962 اي قبل 45 عاما، وبعد اقل من أسبوعين أرسل أول بث تلفزيوني فضائي.
وكان من المفترض ان يحمل البث الاول خطاب الرئيس الاميركي جون كنيدي، الا ان البث كان قد بدأ قبل اعداد الخطاب، الامر الذي جعل الفنيين يملأون الفراغ بنقل مبارات الباسكتبول قبل الخطاب.
لكن الرئيس استخدم البث الفضائي بالكامل ليلة 23 تموز ،1962 حيث قام بإجراء اتصالات تلفونية عبر القمر الصناعي وايضا بإرسال رسائل بواسطة الفاكس الفضائي، وقد نقل البث الفضائي في اول مؤتمر صحفي يعقد آنذاك.
الشبكة الاميركية لرقابة الاتصالات السلكية تعمل منذ عام ،1957 اما السوفيت فقد اطلقوا ولأول مرة 'أوربيت سبوتنيك 1' ومنذ ذلك الحين تم اطلاق نحو 26 ألف مشروع فضائي.
وبشكل فعال يوجد الآن نحو 8000 مشروع فضائي، واصغرها هو من حصة المقيمين على رياضة التنس، وفقط يعتبر نحو 7 في المائة من هذه المشاريع اقمارا صناعية فعالة.
اليوم توجد في الفضاء، ما عدا اقمار الاتصالات، اقمار من انواع عديدة، مثل الاقمار المتخصصة بميدان الجيولوجيا ، والاقمار العلمية والاقمار التجارية اضافة الى الاقمار العسكرية.
وبالنسبة لمستقبل البث التلفزيوني فإن باستطاعتهم استلام مختلف المحطات التلفزيوني ة.
الدول التي تمتلك أقمارا صناعية للبث التلفزيوني والاتصالات
- الاتحاد السوفيتي - سبوتنيك 1 - 1957.
- الولايات المتحدة - اكسبلورير 1 - 1958.
- كندا 'الويت 1' 1962.
- فرنسا 'استريكس' 1965.
- ايطاليا 'سان ماركو2' 1967.
- استراليا 'وريسات' 1967.
- اليابان 'اوسومي' 1970.
- الصين 'دونغ فانغ هونغ 1' 1970.
- المملكة المتحدة 'بروسبيرو 3 X' 1971.
- الهند 'اورياباتا ' 1975.
- اسرائيل 'اوفيك 1' 1988.
- مصر 'نايل سات 101' 1998.
- كازاخستان 'كازسات' 2006.
الحرب الباردة ومصانع أجهزة الفضاء
انتهت الحرب العالمية الثانية وبدأت مرحلة الحرب الباردة، وهذا التحول فتح الباب امام الاسراع بانجاز الاختبارات المتعلقة بالفضاء. فالولايات المتحدة ومنذ عام 1946 اهتمت بشكل نظري بفكرة الاقمار الاصطناعية ، وللمرة الأولى اعترف البيت الابيض عام 1955 بأن الولايات المتحدة تعمل على اطلاق اقمار اصطناعية الى الفضاء على مدى ثلاث سنوات.
وفي الاتحاد السوفيتي، اطلق قبل 50 عاما اول جسم انتجه الانسان الى الفضاء وهو 'سوندا سبوتيك 1'، ومنذ ذلك الحين انطلقت مصانع الفضاء تعمل بزخم كبير.
المراحل التاريخية لإطلاق بعض الأقمار الصناعية حسب الدول
- الاتحاد السوفيتي - اطلق اول قمر صناعي 'سبوتنيك 1' عام 1957.
- الولايات المتحدة - اطلقت اول قمر صناعي 'اكسبلورير 1' عام 1958.
- فرنسا - اطلقت اول قمر صناعي 'استريكس' عام 1965.
- اليابان - اطلقت اول قمر صناعي 'اوسومي' عام 1970.
- الصين - اطلقت اول قمر صناعي 'دونغ فونغ هونغ 1' عام 1970.
- المملكة المتحدة - اطلقت اول قمر صناعي 'بروسبيرو 3 X' عام 1971.
- الهند - اطلقت اول قمر صناعي 'روهيني' 1980.
- إسرائيل - اطلقت اول قمر صناعي 'اوفيك' 1988.
وحاولت كل من كوريا الشمالية عام 1998 بناء وإطلاق قمر صناعي، والعراق،19 89 ولكنهما فشلا في ذلك لأسباب معروفة وتحاول كل من جنوب افريقيا واسبانيا وايطاليا والمانيا وكندا واستراليا والارجنتين ومصر بناء مشاريع لذلك، ولكن لم توفق اي من هذه البلدان لحد الآن.
قاتل الأقمار
اشرنا الى ما يطلق عليه ب'قاتل الأقمار' وللمزيد من المعلومات حول هذا الصنف من السلاح، لا بد ان نشير الى ان اسلحة الاطلاق الفضائية المصممة ضد الاقمار قد بدأت في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بدآ بإنتاج هذا النمط من المشاريع عام ،1950 وكانت قبلها قد اجرت اختبارات عديدة حولها، وقد تم التعرف على اسرار تكنولوجيته ا، وتحديدا بدأت الولايات المتحدة بإنتاج السلاح القاتل للأقمار الصناعية عام ،1959 وكانت مسافة اول تجربة لهذا النوع من الصواريخ تصل الى 6 آلاف متر، والمشروع الآخر تم بناؤه عام 1963 وطور عام ،1970 اما في الاتحاد السوفيتي فقد بدأ هذا النظام عام 1967 وطور عام 1976. وكان من المفترض ان يبنى النظام الاميركي لأسلحة اصطياد الاقمار الصناعية ضمن مشروع 'حرب النجوم'، حيث تبنى محطات فضائية مجهزة بمزايا خاصة ومعدات حساسة اضافة الى اجهزة تبث اشعاعات ليزرية تنطلق بصورة اوتوماتيكي ة الى مناطق محددة في الفضاء او حتى الى الارض لضرب اية صواريخ او اقمار صناعية غريبة. لكن هذا المشروع قد تم الغاؤه عام 1977.
الصين على الطريق
من المعروف ان لدى الصين تجارب وبحوثا فضائية كثيرة، لكنها تقبع في ادراج سرية للغاية، وقد استطاعت الصين بمساعدة الاتحاد السوفيتي ان تطلق عام 1970 قمرا صناعيا، لكنها واصلت جهودها لتوسيع امكاناتها في هذا الميدان، بحيث اصبح بإمكانها بيع تكنولوجيا الاطلاق او تأجير اقمارا صناعية او معدات فضائية لبعض البلدان التي ليس بمقدورها انجاز ذلك. فبالاضافة الى بعض بلدان العالم الثالث الذي يشتري من الصين مواقع في هذه الاقمار او يستأجر انواعا محددة من البث والارسال التلفزيوني ، فإن هنالك بعض الدول الاوروبية مثل المانيا تحتاح الى الخبرة الصينية في ميدان الاقمار الصناعية وشبكة الاتصالات الفضائية. وقد حدث تطور مفاجئ في قدرات الصين الفضائية في العام الحالي، حيث قامت في 11 يناير 2007 بإطلاق صاروخ من نوع 'قاتل الأقمار' لتدمير القمر الصناعي الخامس بالطقس FY-IC، وقد نجحت بصورة ملفتة للنظر، وكان هذا القمر يدور على بعد 865 كيلومترا من الارض ويزن 750 كيلوغراما