|
يتبع
صفة دوران الأرض
كذلك بعض الناس يظن أن معنى القول بدورانها هو أنها تدور مثل الرحى ولذلك يستدلون على نفي دورانها بأدلة لا تصلح . حيث يقولون : لو كانت تدور لتغيرت الإتجاهات . وقد نشأ هذا الغلط لظنهم أن هذا هو المراد من القول بدورانها . وليس كذلك وإنما الذي يقرره أصحاب هذه النظرية أنها تدور من المغرب إلى المشرق وهذا لو قدر أنه حصل ما تغيرت معه الإتجاهات فلا يصلح هذا دليل لنفي دورانها .
الفضاء محدود
الفضاء محدود وله نهاية ومسافته وسعته مقدرة فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فذكر أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام يعني سماء الدنيا الذي هو سقف الأرض وذلك بتقدير سير الإبل . وهذه المسافة تمكن معرفتها باصطلاح أهل الزمان حيث يقيسون المسافات بالكيلومتر إذا علم كم تسير الإبل باليوم من كيلومتر . وقد قدرت ذلك فوجدت مسافة ما بين السماء والأرض تقارب تسعة ملايين كيلومتر فقط وهو الفضاء كله من كل جانب من الأرض فهو كقطرة من بحر بالنسبة لفضائهم المزعوم الذي ليس له حد.
فأين هذا من خيال الملاحدة وفضائهم الذي لا نهاية له . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( هل تدرون ما هذا ؟ )) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : (( هذا العنان هذه رواية الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه )) ثم قال : ((هل تدرون ما فوقكم ؟ )) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : (( فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف )) ثم قال : (( هل تدرون كم بينكم وبينها ؟ )) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : (( بينكم وبينها خمسمائة سنة )) الحديث . وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم والبزار وقال الترمذي : هذا حديث غريب .
وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليهم وسلم فمرت بهم سحابة .. وفي الحديث (( هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض ؟ )) قالوا : لا ندري ، قال : (( إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة )) الحديث . وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد والحاكم في المستدرك . قال ابن القيم رحمه الله : وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثي العباس وأبي هريرة رضي الله عنهما فهو مما يشهد بتصديق كل منها للآخر ، فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب إختلاف السير الواقع فيها . فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات ، وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيرا قاصدا في عشرين يوما ، يقطعه البريد في ثلاثة . فحيث قدر النبي صلى الله عليه وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
وقال الذهبي : لا منافاة بينهما لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا ، ونيف وسبعون سنة على سير البريد لأنه يصح ان يقال بيننا أي بالشام وبين مصر عشرون يوما باعتبار سير العادة وثلاثة أيام باعتبار سير البريد . انتهى .
وقد ورد أحاديث غير هذين الحديثين فيها ذكر المسافة بين السماء والأرض وأنها خمسمائة عام .
وبعد ذلك نقول : إنه يستحيل دوران الأرض حول الشمس الدورة السنوية لأنها محجورة في جوف السماء الدنيا والمسافة بين الأرض والسماء قريبة جدا بالنسبة لفضائهم الخيالي ، فإذا كانوا يقدرون ما بين الأرض والشمس بـ 150 كيلومتر فهذا وحده أبعد من المسافة بين السماء والأرض بمائة وإحدى وأربعين كيلومتر تقريبا ، كيف بفضائهم الخيالي الذي لا ينتهي الذي يقيسونه بالسنين الضوئية ؟!
المسافة بين سطح الأرض وسطح السماء السابعة
المسافة بين الأرض وسطح السماء السابعة حوالي 126 مليون كيلومتر باعتبار أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة وسمك كل سماء كذلك ، والمسافات بين السماوات كذلك ، وهذا كله أقل مما يقدرونه بين الأرض والشمس بحوالي 24 مليون كيلومتر . هذا الفرق في مجموعة واحدة فكيف بملايين الملايين التي تتكون منها المجرات المزعومة التي بينها مسافات هائلة .
لم يجعلنا النبي صلى الله عليه وسلم عيالا على هؤلاء الضلال نتعرف على مخلوقات ربنا بتعريفهم ونستدل عليها بدلالتهم .
ومن يكن الغراب له دليلا * يمر به على جيف الكلاب
وإذا كان الأصل الذي أصلوه لعلومهم وبحوثهم جحود ربهم ، فهل يعقل أن يستأثروا بعلم صحيح ومعرفة في مخلوقات الرب سبحانه أصح من معرفة من جاء بهذا الدين وأتباعه الموحدين ؟ مع أن الرب سبحانه أثنى عليهم أنهم هم أولوا الألباب حيث قال : (( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب )) ثم ذكر أنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض . فيلزم من اعتقد دوران الأرض أن يكون تفكر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن تبعهم من سلف الأمة حتى وقتنا هذا يلزمه أن يكون تفكرهم في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار خطأ وأن المراد بأولي الألباب مقلدة الملاحدة فهم أهل التفكر الصحيح المطابق للواقع حيث اكتشفوا أن الأرض تدور والشمس ثابتة والفضاء لا نهاية له والجبال تحفظ توازن الأرض أثناء دورانها حتى لا تميد وما تبع ذلك من الخيال التائه الضال .
أما أولئك فتفكرهم خاطئ معكوس حيث يتفكرون في أرض ثابتة ترسيها الجبال في موضعها وشمس واحدة فقط ليس ملايين الشموس تدور حولها ، وسماء مبنية محيطة بالأرض وفضاء محدود وهو المسافة بين جرم الأرض وجرم السماء وما تبع ذلك من الحق لأن التفكير السليم لا بد أن يكون مطابقا للواقع في الخارج يعني خارج الفكر في هذا المجال وأمثاله ، وهذه من خواص أهل العقول السليمة والأفكار المستقيمة .
فيا لها من فضيحة قبيحة تهوك بها هؤلاء المتأخرون مقلدة المعطلة . ولذلك زعم الزنداني أن آيات الخلق في القرآن لم يكن يعرف معناها في الماضي وإنما عرف اليوم لما انبثق علم الملاحدة وقد كتبت ردا عليه فيه بحث موضوعنا هذا وغيره اسمه ( الرد على الزنداني ) .
حتى أن عبدالعليم خضر قال : ولذلك نجد أن الإنسان الذي كان يعيش منذ 1400 سنة لم يكن قادر على استيعاب المعنى العميق الذي يكمن في الإشارة الكونية ولذلك لم يدرك إلا المعنى الظاهري فقط .!
يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يكونوا قادرين على استيعاب المعنى العميق الذي يكمن في الإشارة الكونية وإنما قدر هو وأمثاله لما قلدوا الملاحدة بدوران الأرض وما تبعه من الضلال . وكفى سوءا بهؤلاء أن يظنوا مثل هذا الظن .
المراد من القول بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس
ثم نقول : أليس المراد من دعوى دوران الأرض حول نفسها تعاقب الليل والنهار ودعوى دورانها حول الشمس تعاقب الفصول الأربعة ؟
فالأول يحصل بعكس قولهم وهو دوران الشمس حول الأرض ، فبسبب ذلك يتعاقب الليل والنهار كما يتضح ذلك في الرسم رقم (2) وهذا معنى قوله تعالى : (( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون )) فقد فسر هذه الآية ترجمان القرآن وغيره من المفسرين بأن معناها يدورون ، فالشمس تدور في فكلها حول الأرض فيحصل الليل والنهار ومن العجيب أن يستدل بهذه الأية على دوران الأرض مع أنه ليس للأرض فيها ذكر بل هي صريحة في دوران الشمس على كرة الأرض في فلكها المستدير في كرة السماء كذلك دوران الليل والنهار والقمر .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها قال : وكذلك القمر . رواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح .
قوله : تحت الأرض . نسبة لما يتوهمه الإنسان في البداية من أن مَنْ في ذلك الجانب يكون تحتا وليس كذلك لأن التحت هو الأرض السابعة السفلى وهو جوف الأرض ويسمى المركز وهو محط الأثقال ، فالأثقال من كل جانب تنجذب إليه وتنتهي إليه ، ولو كان من في تلك الناحية تحت لكنا نحن ههنا تحت فنحن بالنسبة لمن هناك كما هم بالنسبة إلينا ، والسماء من كل مكان في الأرض عالية على الأرض ، انظر الرسالة العرشية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد وضح ذلك وبينه .
فتعاقب الليل والنهار على كرة الأرض بواسطة دوران الشمس حولها هو الذي يدل عليه قوله تعالى : (( وهو الذي خلق الليل والنهار )) الآية . كما تقدم ، وكذلك قوله تعالى : (( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل )) والعرب تقول : كورت العمامة إذا أدرتها على الرأس. وليس الرأس هو الذي يدار لتكوير العمامة عليه ، والقرآن نزل بلغة العرب وهذه الآية دليل أيضا على كروية الأرض ، لأن التكوير لا يكون إلا على الجسم المستدير .
العلو والتحت للكون
قبل أن أذكر الثاني وهو تعاقب الفصول الأربعة وأنه يحصل بدون دوران الأرض حول الشمس أذكر هنا مسألة مهمة ينبغي الاعتناء بها وهي معرفة العلو والتحت للكون وأن ذلك ثابت لا يتغير بخلاف عقائد الملاحدة الفاسدة فإنهم لا يثبتون علوا ثابتا وسفولا ثابتا مستقرا لأن الأرض في خيالهم وخيال مقلديهم ذرة هائمة سابحة في فضاء لا نهاية له . فالعلو يكون على حسب اعتقداهم دوران الأرض فضاء لا ينتهي وليس له جهة ثابتة كذلك التحت والسفل فإنه لا يثبت لهم ، فاعلم أن أسفل الكون كله هو الأرض السابعة وفيها جهنم وهو الذي تنحط الأثقال كلها إليه وتقف عنده لو كان ما بينها وبينه مخروق في الأرضين .
وهذا من كل مكان من الأرض سواء اليابس أو الماء لأن السماء عالية على الأرض من كل جانب ولأن السماوات والأرضين ليس لهما إلا جهتان فقط ثابتتان وهما العلو والتحت أما اليمين والشمال والأمام والخلف فهذا نسبي فما كان يمين هذا ويكون شمال هذا وما كان أمام هذا يكون خلف هذا بخلاف العلو والسفل فهذا ثابت لا يتغير . فما نزل من السماء من كل جانب سقط على الأرض ، صنع الله الذي أتقن كل شيء . لأن الأثقال منجذبة إلى المركز وهو الأرض السابعة السفلى .
وهذا الذي أذكره تقرير علمائنا رحمهم الله ابن تيمية وغيره .
إذا عرفنا أن الأرض السابعة السفلى في جوف الأرضين الست وأن أرضنا هذه الأولى في جوف السماوات السبع تبين لنا أن الأرضين السبع والسماوات السبع كلها كرة واحدة سطحها سطح السماء السابعة ومركزها الأرض السابعة السفلى ، وأن العلو هو ما فوق الأرض من كل جانب و السفل هو الأرض السابعة ثم إن الأرض إنما سميت أرضا لسفولها . قال ابن القيم رحمه الله في ( بدائع الفوائد ) : إنها بالنسبة إلى السماء تحت وسفل فعبر عنها بهذا اللفظ الجاري مجرى المصدر لفظا ومعنى .
وقال رحمه الله على لفظ الأرض أنه يصلح أن يعبر به عن كل ما له فوق وهو بالإضافة إلى ما يقابله سفل . ثم قال : فسماء كل شيء اعلاه وأرضه أسفله . انتهى
وهذا مما يبين ضلال الدهرية حيث يسمون الأرض كوكبا ، وهم إنما سموها كذلك لأنه لا فرق بينها وبين هذه الكواكب في تخيلهم لأن الجميع عندهم دائر في فضاء لا ينتهي فلا ثبات في الكون كله عندهم ولا استقرار ، والرب سبحانه وتعالى قال : (( والأرض وضعها للأنام )) يعني خفضاها في مركز العالم ، قال ابن كثير رحمه الله : أي كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألستنهم في سائر أقطارها وأرجائها . انتهى .
كذلك فقد ذكر الله جريان الشمس وإتيانها ودؤوبها في السير هي والقمر في مواضع من كتابه .
قال ابن القيم رحمه الله : ثم تأمل الحكمة من طلوع الشمس على العالم كيف قدره العزيز العليم سبحانه فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات لأن ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن الجانب الآخر وكان يكون الليل دائما سرمدا على من لم تطلع عليهم والنهار سرمدا على من هي طالعة عليهم فيفسد هؤلاء وهؤلاء ، فاقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أن قدر طلوعها من أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار فيختلف عندهم الليل والنهار فتنتظم مصالحهم . انتهى
فلما تبين أنه يتم تعاقب الليل والنهار والأرض ثابتة وذلك بدوران الشمس عليها عكس نظرية الكشاف والكرة الدائرة . اجعل الكرة ثابته والضوء هو الذي يدور عليها تظهر لك الحقيقة .
* الثاني : تعاقب الفصول الأربعة :
يزعم الدهرية أن تعاقب الفصول الأربعة واختلافها إنما يحصل بدوران الأرض حول الشمس وليس كذلك . وإنما هو يحصل بدوران الشمس على الأرض مع اختلاف مطالعها ومغاربها كل يوم فيكون من نتائج ذلك تعامد أشعة الشمس وميلها الذي بسببه تتعاقب الفصول . فبما أن فلك الشمس عريض في السماء حيث هي تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب فإنها حينما تكون فوق رؤوسنا تكون الأشعة عمودية فترتفع الحرارة وذلك في الصيف وعندما تميل في السماء تكون الأشعة مائلة ليست عمودية فتنخفض الحرارة وقت الشتاء أما في الربيع والخريف فبين ذلك .
وإذا أردت أن تعلم كيف أن الأشعة بتعامدها ترتفع الحرارة وبميلها تنخفض فانظر في صباح يوم من أيام الصيف في بداية طلوع الشمس أول النهار يبقى الوقت باردا لأن الأشعة مائلة منبسطة وما تزال ترتفع الحرارة بحسب تعامد الأشعة فكلما كانت متعامدة كلما ارتفعت حرارتها وكذلك في آخر النهار حيث تميل فتضعف حرارتها كوقت طلوعها.
ومن هنا يتبين أن الشمس في كل وقت وكل فصل لا تتغير حرارتها بذاتها لكن التغير الذي يحدث في الأرض بحسب مواقع الشمس من المكان فإذا كانت فوقه تعامدت أشعتها عليه وارتفعت حرارته وإذا كانت مائلة عنه جهة الجنوب أو الشمال انخفضت الحرارة لميل أشعتها عنه . (( ذلك تقدير العزيز العليم ))
والشمس فوق الأرض دائما كما تكون فوق رؤوسنا وقت الظهيرة وغروبها المذكور في القرآن و كلام النبي صلى الله عليه وسلم نسبي فتغرب عن جهة وتكون طالعة على جهة أخرى فيكون الليل عندنا نهارا في مناطق أخرى والنهار عندنا ليلا عندهم كما هو معروف عند أهل الوقت ومشهور .
وإذا كان الحال هكذا وأن برودتها أول النهار وآخره نسبية أيضا وذلك لميل أشعتها كما أنها وسط النهار ترتفع حرارتها لتعامد الأشعة فبمعرفة هذا ينحل إشكال تعاقب الفصول الأربعة .
وحيث قد تبين ارتفاع الحرارة وانخفاضها يوميا وأن سببه تعامد الأشعة وميلها فكذلك تتغير الفصول الأربعة لكن التغير اليومي في الحرارة يحصل بتغير مواضع الشمس من المشرق إلى المغرب وأما في الفصول الأربعة فيحصل ذلك بتغير مواضع الشمس من الشمال إلى الجنوب وبالعكس لأنها كما سبق وذكرت ليس مجراها خطا واحدا في السماء لا تعدوه بل كل يوم تطلع من مطلع وتغرب من مغرب وقد ذكر الله اختلاف مطالع الشمس ومغاربها لتعاقب الفصول الأربعة في سياق تعداد نغعمه وآلائه على عباده فقال تعالى : (( رب المشرقين ورب المغربين )) . قال ابن كثير رحمه الله : يعني مشرقي الصيف والشتاء ، ومغربي الصيف والشتاء ، وقال في الآية الأخرى : (( فلا أقسم برب المشارق والمغارب )) وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس . وقال في الآية الأخرى : (( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا )) . وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب . ثم قال ابن كثير رحمه الله : ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال : (( فبأي آلاء ربكما تكذبان )) . انتهى
وهذا واضح فلو كانت الأرض هي التي تدور حول الشمس لتتعاقب الفصول التي فيها مصالح الخلق كما يزعمون لما ذكر الله المشارق والمغارب الذي معناه دوران الشمس حول الأرض وتغير مطالعها ومغاربها فهذا كله منسوب إليها لا سيما قوله تعالى : (( رب المشرقين ورب المغربين )) اللذين هما مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء .
فلو كان الأمر على تخريف الملاحدة لذكر الله حركة الأرض ودورانها حول الشمس لتحصل مصالح الخلق بتغير الفصول . واين آية واحدة تدل على ذلك ؟
ثبات الأرض نعمة عظيمة
وكذلك يذكر ربنا عز وجل ثبات الأرض واستقرارها في سياق تعداد نعمه وآلائه فله الحمد . قال تعالى : (( والأرض وضعها للأنام )) ولذلك تقول الجن : اللهم ولا بشيء من آلائك نكذب فلك الحمد . يقولون هذا بعد قوله تعالى : (( فبأي آلاء ربكما تكذبان )) .
فكون الأرض موضوعة في السفل في مركز العالم قارة ساكنة هو من آلاء الله علينا فالحمد لله .
وقد فرق الله بينها وبين السماء بخلاف الملاحدة الذين يعتبرونها من ضمن كواكب السماء الذي هو العلو عندهم ليس المبني فوقنا . فهذا لا وجود له في خيالهم فقال سبحانه : (( والسماء رفعها ووضع الميزان )) وقال بعد ذلك : (( والأرض وضعها للأنام )) فالسماء مرفوعة والأرض موضوعة .
أما الملاحدة فليس لوضع الأرض عندهم معنى ولا لرفع السماء أيضا لأنهم لا يعرفونها . فالكون عندهم كله فضاء لا ينتهي وشموس وكواكب وأقمار تدور فيه .
وقد سلبوا الأرض خاصيتها حتى الإسم الذي سماها به خالقها سلبوها إياه . وادعوا في الكواكب ما هي بريئة منه من أنها صالحة لسكنى الناس ويمكن وصولها وأن تركيبها كتركيب الأرض وكذلك القمر وكله من أبطل الباطل وهم قالوا ذلك ليصدقهم الناس بدوران الأرض ليتم لهم إضلال المسلمين بأن الفضاء لا نهاية له ، الذي معناه إنكار وجود الخالق ، وهذا يحتاج إلى تفصيل وليس هنا موضعه . فثبات الأرض وقرارها من ضمن آلاء ربنا فله الحمد ، ولذلك يقول تعالى : (( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم )) فتأمل ما في ضمن قوله تعالى : (( أن تميد بكم )) من اللطف والعناية الربانية والرحمة والإحسان . أي : لئلا تميد لكم فالحمد لله .
خطفة شيطانية وسفر خيالي
من صدّق الملاحدة وتابعهم في هذا الاعتقاد فإنما خطفه الشيطان وسافر به سفرا خياليا وهميا لا حقيقة له ولا وجود ، ليضله عن ربه كما أضل الملاحدة الذين أنكروه فليس هو عندهم ربا خالقا حكيما رحيما مدربا قاهرا فوق عباده فلا يدري أين هو . إن أثبت أنه الأعلى فوق مخلوقاته تناقض بهذه العقيدة التي لا يتفق له مع تمسكه بها علوا ثابتا ولا سفولا ثابتا لأن ما كان اليوم فوقه يكون غدا تحته والأرض في مخيلته هباءة سابحة في فضاء لا نهاية له . فهكذا انتهت هذه النظرية إلى التعطيل كما بدأت منه وأي ضلال أعظم من هذا ؟ . وقد كان تعطيل الجهمية مبدؤه كلمة واحدة وهو القول بخلق القرآن .
عقول المعطلة منكوسة
مجمل ما سبق يتضح لك إذا عكست كلام المعطلة وخالفتهم فبدلا من أن تتخيل الشمس ثابتة وهي المركز ، إجعل بدلها الأرض أنها ثابتة وهي المركز للعالم .
وبدلا من أن تتخيل الأرض تدور حول الشمس في الفضاء ، اجعل الشمس هي التي تدور حول الأرض في كرة السماء لتعاقب الليل والنهار .
وبدلا من أن تتخيل تمايل الأرض وانحرافها عن الشمس وهي تدور حولها لتعاقب الفصول الأربعة ، اجعل ذلك في الشمس نفسها كما سبق ووصفت لك وكما يتضح في الرسم رقم (3) يعني بميل أشعتها وتعامدها بسبب انحرافها إلى الجنوب تارة وإلى الشمال تارة وهو مشاهد الحس .
وبدلا من أن تتخيل أنك تطير في الفضاء الذي لا نهاية له وأن هذه المجموعة الشمسية التي كوكبك الأرضي منها واحد من ملايين المجموعات الشمسية التي تكون بدورها مجرات وبينها مسافات هائلة وأبعاد عظيمة تقدر بالسنين الضوئية المتناسبة مع هذا الخيال الشيطاني بدلا من ذلك ، ثق أنك مستقر على أرض ثابتة ساكنة والذي فوقك فضاء محدود محاط بالسماء المبنية الكروية التي لها جرم وسمك وأبواب . قال تعالى : (( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ))
فروج : شقوق
وفوقها ست سماوات كل واحدة محيطة بالتي في جوفها كإحاطة هذه السماء الدنيا بالأرض وفوق ذلك كرسي الرب عز وجل وعرشه والجنة . والعرش أكبر المخلوقات على الإطلاق فهذه السماوات العظيمة والأرضين الكبيرة في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض . والرب سبحانه فوق العرش ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
الوجود الذهني والخارجي
الذي لا نشك فيه أن القوم يتكلمون عن أشياء يتخيلونها ليس لها حقيقة ثابتة في الخارج . وفرق بين الوجود الذهني والخيالي التصوري والوجود الحقيقي العيني الخارجي .
فالإنسان يستطيع أن يتخيل جبالا من الذهب وبحارا من اللبن وغير ذلك من الخيال الذي لا حدود له ويتكلم في هذا وقد يرسم له صورا يثبتها كما هي في خياله مع أنه لا وجود لذلك ولا حقيقة كما فعل هؤلاء الملاحدة تماما في تخيلهم الكون كما نقلنا عنهم . والذي ذكرناه هنا كلام مختصر وإلا فبلاؤهم طويل وشرهم مستطير.
|