ماذا يعني القول بدوران الأرض
هذا الاعتقاد ليس مقصودا لذاته ، وإنما هو مقصود لغيره ، إذ هو حلقة من سلسلة تبدأ من التعطيل وتنتهي إليه ، ومعتقده يلتزم من أجله لوازم في غاية الخطورة ، حيث يلتزم أن ما فوق الأرض من كل جانب فضاء لا نهاية له . والذي يقول الفضاء لا نهاية له منكر لوجود الرب سبحانه وتعالى . يوضحه الرسم رقم (1)
فضاء الملاحدة لا ينتهي وكله مجرات
نظرية دوران الأرض تستلزم نفي وجود السماوات السبع المبنية وما فوقها ، وهم يصرحون أن الفضاء لا نهاية له فيقال لهم : أين الله إذا ؟
انظر إلى الرسم رقم (1) ترى في وسطه ما يسمونه المجموعة الشمسية وتحتوي الشمس وما انفصل عنها بزعمهم من الكواكب ، التي من ضمنها الأرض ، والكل يدور حول الشمس ، والفضاء في تخيلهم مليء من مثل هذه المجموعات الشمسية ، يدور بعضها حول بعض ، ويطلقون عليها اسم المجرات ، لأن المجرة عندهم هي مجموعة من المجموعات الشمسية يقدرونها بالملايين ، وبينها مسافات خيالية اصطلحوا على قياسها بسرعة الضوء ، وتقديرها بالسنين الضوئية ، ويزعمون أن هناك بليون من المجرات ، ولا يزال الكون يتسع والمجرات تتكاثر .
فإذا كانت المجرة الواحدة تحوي ملايين من المجموعات الشمسية ، مع أن المجموعة الشمسية الواحدة تأخذ من المسافة في الفضاء 3675 مليون ميلا ، والفضاء فيه بلون من المجرات ، فحكاية هذا الذي تخريف المجانين أحسن منه كافية لمعرفة بطلانه .
المجرة في السماء المبنية
المجرة واحدة وهي التي نراها في السماء الدنيا وهي معروفة ، وقد ذكر ابن عباس أنه منها تنشق السماء يوم القيامة .
لقد ضلوا بهذه المجرة ضلالا بعيدا ، حيث يتخيلون أنها ملايين من الشموس سابحة في الفضاء الذي لا نهاية له في خيالهم .
يقولون : إن هناك بليون من المجرات ويقولون إن من النجوم ما هو أعظم من حجم شمسنا بمائة مليون مرة ولا يزال الكون يتسع بتكاثر المجرات .
إذا تبين أن حقيقة القول بدوران الأرض معناه : أن الفضاء لا نهاية له ، كما يصرحون بذلك ، فهذا يعني نفي وجود الرب الخالق سبحانه ، ونفي وجود السماوات السبع والكرسي والعرش والملائكة والجنة .
فإذا قال الرب فوق . قيل له : ليس عندك فوق شيئا ومن اعتقد أن الفضاء لا نهاية له وأراد أن يثبت وجود الرب العالمين ، فأحسن أحواله أن يقع في معتقد أهل وحدة الوجود ، وهو أن يكون الرب سبحانه هو هذه المخلوقات ، وإلا فإنه يتناقض ، وهذا يتضح لك إذا تأملت ما سوف أذكره إن شاء الله من عقيدة المسلمين في هذه الأشياء .
وأنا كتبت في هذا الموضوع في " إنارة الدرب لما في تفسير قطب من آثار الغرب " سوف أنقل منه هنا بعض المواضيع ليتبين للناظر مناقضة هذه العقيدة الضالة لمعتقد أهل الإسلام وأثرها في من قلد الملاحدة .
قال قطب في تفسير سورة غافر عند قوله تعالى : (( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس )) قال :
وهذه الشمس واحدة من نحو مائة مليون من الشموس في المجرة القريبة منا ، والتي نحن منها ، وقد كشف البشر حتى اليوم مائة مليون من هذه المجرات متناثرة في الفضاء الهائل من حولها ، تكاد تكون تائهة فيه .
والذي كشفه البشر جانب ضئيل صغير لا يكاد يذكر من بناء الكون ، وهو على ضآلته شاسع يدير الرؤوس مجرد تصوره ، فالمسافة بيننا وبين الشمس نحو من ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال ، ذلك رأس أسرة كوكبنا الأرضي بل هي على الارجح أم هذه الأرض الصغيرة .
أما المجرة التي تتبعها الشمس فقطرها نحو من مئة ألف مليون سنة ضوئية ، والسنة الضوئية تعني مسافة ستمائة مليون ميل . وأقرب المجرات الأخرى إلى مجرتنا تبعد عنا بنحو خمسين وسبعمائة ألف سنة ضوئية . ونذكر مرة أخرى أن هذه المسافات وهذه الأبعاد وهذه الأحجام هي التي استطاع علم البشر الضئيل أن يكشف عنها وعلم البشر هذا يعترف أن ما كشفه قطاع صغير في هذا الكون العريض . انتهى .
ولذلك لما قلدهم قطب في هذه العلوم الفاسدة لم يستطع إثبات السماوات المبنية المحيطة لانه ليس لها ذكر في علومهم . وإثبات وجودها وصفاتها والذي فوقها إنما جاء به الأنبياء . والملاحدة لا يردون هذا المشرب كما قدمنا . كذلك لم يعرف العرض كما ينبغي . فتأمل الآن بعض ما تأوله قطب من الآيات غير ما تقدم ، يتبين لك أنه ما راج هذا الباطل إلا بالتأويل الفاسد . وأن من اعتقد هذا المعتقد ضل عن معرفة السماء المبنية وما فوقها بطريق اللزوم .
قال قطب في تفسير سورة فصلت عند قوله تعالى : (( فقضاهن سبع سماوات )) قال : أما ما هي السماء المقصودة فلا نملك تحديد فقد تكون درجة البعد سماء وقد تكون المجرات التي على أبعاد متفاوته سماوات وقد يكون غير ذلك مما تحتمله لفظ سماء وهو كثير . انتهى .
وهذا واضح أنه لا يعرف السماوات السبع المبنية لتقليده الملاحدة في الفضاء الذي لا ينتهي .
وقال عند قوله تعالى : (( وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا )) قال : والسماء الدنيا هي كذلك ليس لها مدلول واحد محدد فقد تكون هي أقرب المجرات إلينا وهي المعروفة بسكة التبان والتي يبلغ قطرها مئة ألف مليون سنة ضوئية ، وقد يكون غيرها مما ينطبق عليه لفظ سماء وفيه النجوم والكواكب المنيرة لنا كالمصابيح . انتهى .
بعد ذلك سأذكر بعض ما ورد من ذكر السماء في القرآن ، ودلالة ذلك في كل موضع ، وأنه ليس المراد منها دائما مطلق العلو ، بل معناها بحسب ما يقترن باللفظ ، حيث هي اسم جنس للعالي . ولتعلم أن الملاحدة ومن قلدهم قد ضلوا عنها مع قربها ، وذهب بهم الخيال إلى مالا وجود له ، وإنما هو مجرد تصور . وسنذكر فيما بعد إن شاء الله الفرق بين التصور الخيالي ، والوجود الخارجي العيني ، ليزول الاشتباه ، قال تعالى : (( فليمدد بسبب إلى السماء )) المقصود بلفظ السماء في هذا الموضوع سقف البيت .
قال تعالى : (( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء )) المقصود بلفظ السماء هنا موضع السحاب وهو بين السماء والأرض مبسوط ، مثل قوله تعالى : (( وأنزل من السماء ماء )) وقد قال تعالى : (( أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون )) وهي السحاب .
قال تعالى : (( وجعلنا السماء سقفا محفوظا )) المقصود بلفظ السماء هنا السماء الدنيا المبنية المحيطة بالأرض إحاطة الكرة بما في وسطها لأنه اقترن بلفظ السماء السقف وهو السماء المبنية وهي سقف الأرض بأجمعها كذلك قوله تعالى : (( وزينا السماء الدنيا بمصابيح )) اقترن بلفظ السماء هنا لفظ الدنيا فتبين أن المراد السماء المبنية المشاهدة ، وكل ما يشبه هذه الآية التي يقترن فيها لفظ الدنيا مع لفظ السماء .
قال تعالى : (( وبنينا فوقكم سبعا شدادا )) وفي مواضع يذكر ربنا عز وجل السبع السماوات فيصفها مرة بأنها شدادا ومرة بأنها طباقا وأنها بناء ويذكر أبوابها . ولا تجد كلمة واحدة من هذا كله في علوم الملاحدة .
قال تعالى : (( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )) المقصود بلفظ السماء هنا العلو المطلق فوق السماوات فوق العرش ، لأن المراد هو الرب سبحانه .
ومما يوضح بطلان زعم الملاحدة وأتباعهم أن الفضاء لا نهاية له و تاويلاتهم لفظ السماء بالتأويلات الفاسدة الكاذبة أن الله ذكر للسماء أحوالا وصفاتا لا يصح انطباقها على الفضاء مثل قوله تعالى : (( إذا السماء انشقت )) وهذا يكون يوم القيامة والفضاء لا يوصف بالانشقاق ومثله قوله تعالى : (( ويوم تشقق السماء بالغمام )) الآية . يعني يوم القيامة فلولا أنها بناء لما وصفها بالتشقق . وقال تعالى : (( فارجع البصر هل ترى من فطور )) يعني شقوق ولا يقال انظر إلى الفضاء هل ترى فيه من شقوق ؟
وهذا يدل على أنها بناء محكم ، وقد ورد في آيات عديدة وصف السماء بأنها مبنية ولها أبواب .
كذلك قوله تعالى : (( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب )) والفضاء لا يقال إنه يطوى .
أما الفضاء فهو المسافة بين السماء والأرض وفي مواضع من القرآن يذكر الرب عز وجل السماء والأرض وما بينهما ، فلولا أن للفضاء نهاية وللسماء جرم لما قال الرب : وما بينهما .
التطور
يزعم الملاحدة أن الأرض قد انفصلت عن الشمس كما ذكرت قبل ولكن ليست حالها آنذاك يعني في بداية انفصالها كحالها عندما نشأت فيها الكائنات الحية حيث كانت في الأول مادة غازية شديدة الحرارة كأمها الشمس لأنها جزء منها وإنما وصلت إلى ما هي عليه اليوم من الكثافة والبرودة بالتدرج والتطور بعد ملايين السنين التي يحيل عليها الملاحدة .
يقولون أنه بعد ملايين السنين والأرض تدور بردت وتصلبت وصارت صالحة للحياة ومن هنا تبدأ نظرية داروين لنشوء وارتقاء الكائنات الحية بعدما صارت الأرض صالحة للحياة حيث زعم أن بداية ذلك كان الأميباء ذو الخلية الواحدة فما زال التطور حتى وصل إلى القرد ومنه تطور الإنسان والذي اضطرهم إلى هذه الخيالات إعراضهم عن العلم الذي أنزله خالق هذه المخلوقات ، وجحودهم له ولقدرته ، وأنه سبحانه يقول للشيء كن فيكون .
فجميع ما يذكرون من هذا التدريج والتطور في المخلوقات سواء الأجرام العلوية مع الأرض أو الكائنات الحية ما هو إلا ثمرة من ثمار ضلالهم لما جحدوا الخالق ولم يعتمدوا على وحيه في علمهم .
وفيهم قوم يقرون بوجود الخالق سبحانه وقدرته ومع هذا يعتقدون أن المخلوقات تكونت بهذه الصورة التدريجية بقدرته ، وقد يرفضون أن يكون الإنسان تطور من القرود ، وكذلك كثير من الذين ينتسبون للإسلام سلكوا هذا المسلك في نشأة المخلوقات ، فتجد ذلك في مؤلفاتهم ومناهجهم كما في علم الجيولوجيا والجغرافيا والتاريخ وغير ذلك مما خالط علوم أهل الإسلام فأفسدها .
والكلام الآن ليس مع الجاحدين لوجود الخالق عباد الطبيعة ، وإنما هو مع الذين يقرون بوجوده وقدرته فيقال لهؤلاء الذين راج عليهم نشوء المخلوقات وتدرجها ليس هذا معتقد أهل الإسلام فإن معتقدهم أن الرب سبحانه وبحمده يقول للشيء : كن فيكون على الكيفية التي يريدها سبحانه في الوقت الحالي لا يتأخر ليتدرج ويتطور ويكتمل حتى يكون على الصفة المطلوبة بعد الأزمنة الطويلة والتحولات والتغيرات التي يزعمها عباد الطبيعة .
قد يقول قائل : نحن نرى المخلوقات تنشأ شيئا فشيئا وتتدرج في نشأتها مثل خلق الإنسان والحيوان والنبات فإن هذا كله يبدأ صغيرا ضعيفا فما يزال ينمو حتى يكبر ويكتمل .
فالجواب أن هذا لون والتطور والتدريج في النشأة والترقي الذي يزعمه الدهرية لون آخر ، وذلك أنهم تكلموا بما تكلموا به وقرروا ما قرروه من هذه القاعدة بناءا على أن المخلوقات بنفسها تتغير إلى الأحسن وتترقى إلى الأكمل والبقاء فيها للأصلح لذلك زعموا أن أصل الكائنات الحية كلها شيء في غاية الصغر يسمى الأميبا ، ويعللون بداية تكوينه بتعليلات خيالية من جنس سائر ما يعتمدون عليه في علومهم بعضهم يقول : اتفقت عناصر التربة في قعر بعض المحيطات مع الحرارة وتكون هذا الاميبا وبعضهم يقول : إنه جاء من كوكب آخر ، وغير ذلك من خرصهم ودجلهم ، فهم يقولون : مازال الأميبا ينمو ويتدرج من طور إلى طور حتى صارت منه هذه الكائنات الحية كلها ، فالحيوان ، والإنسان والحشرات كل ذلك من أصل واحد ، وهذا لا شيبه فعل الله سبحانه وتعالى في خلقه الكائنات .
فإن الإنسان مثلا يبدأ خلقه من النطفة فيكون إنسانا لا يكون في الأول سمكة ثم ضفدعا ثم قردا ثم إنسانا ، بل هو إنسان من البداية إلى النهاية ، لكن تلك بدايته وهذه نهايته في التخليق . وكذلك الحيوان والنبات وهذه سنة الله في خلقه لم تتغير . والتطور لكل الكائنات أصله واحد .
فقد ظهر الفرق بين التطور المزعوم والخلق ، وأن الأول خيال لا حقيقة له وهو الكيفية التي يذكرونها لتدرج المخلوقات بفعل الطبيعة ، والثاني فعل الخالق القادر الحكيم سبحانه . ومما يوضح ذلك أن الرب سبحانه كتب مقادير الخلائق . قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ورد في الحديث الصحيح ، وهو سبحانه كتب مقاديرها على الكيفية التي خلقها عليها لكمال علمه وقدرته .
أما التطور والترقي الذي يزعمه الدهرية فهو لبلوع الصورة الكمالية للكائن تدريجيا فعل من ليس بعالم ولا قادر ولا حكيم وهو الطبيعة .
وقد اقتضت حكمة الرب سبحانه أن يخلق الإنسان بهذه الكيفية وكذلك الحيوان والنبات ليس عجزا منه أن يخلقه كاملا في نفس الوقت ، فإنه لما أراد ذلك خلق آدم رجلا مكتملا وكذلك حواء خلقها امرأة كاملة .
وقد نوع لنا من مفعولاته ما نستدل به على قدرته وحكمته ونعلم به يقينا بطلان كلام الطبائعيين في تكون الكائنات ، فهذا آدم عليه السلام خلقه من غير ذكر ولا أنثى ، وحواء من ذكر بلا أنثى ، وعيسى عليه السلام من أنثى بلا ذكر وسائر بني آدم من ذكر وأنثى ، وهذا مما يبين عظيم قدرته سبحانه .
ذلك قلب عصا موسى عليه السلام حية في الحال وأعادها عصا كما كانت وغير ذلك كطيور إبراهيم عليه السلام ، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها والذين قال لهم الله موتوا ثم أحياهم وغير ذلك .
بمعرفة ما تقدم يتبين لنا أن الرب عز وجل خلق الأرض على كيفيتها هذه صالحة للحياة من حين خلقها ، لم تكن غازا يدور وبعد ملايين السنين برد وتكثف وصلح للحياة . لأنها لم تنفصل عن الشمس كما يزعمون .
فالرب سبحانه يخلق بكلماته الكونية ، قال تعالى : (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون )) ، وقال تعالى : (( وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر )) .
قال ابن القيم : فعناصر العالم ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها يصرفها كيف يشاء ، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده . بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته . إنتهى من طريق الهجرتين .
لو عرف الطبائعيون هذا وآمنوا به ما لجأوا إلى نظرياتهم الضالة المضلة .
وقال رحمه الله : وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال . وأنه ليس للنوع أب ولا أم . وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد ولم يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى حامل لها ، وأنها من أدل الدلائل على وجود من طبعها وخلقها وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة . فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته ومملوك من مماليكه وعبيده مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته .
ودلائل الصنعة وأمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلا عن إسناد الكائنات إليها .. انتهى من طريق الهجرتين ص 152 .
الأرض خلقت قبل الشمس والنجوم والسماء
تقدم خلق الأرض يكفي لهدم بنيانهم وهو بنص القرآن .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى : (( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين )) الآيات . قال : فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف . انتهى .
أما قوله تعالى : (( والأرض بعد ذلك دحاها )) فقد ذكر ابن كثير رحمه الله : أن الأرض خلقت قبل السماء ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل .
وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما الذي ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه أن خلق الأرض كان قبل خلق السماء وأن دحيها كان بعد خلق السماء ودحوها مفسر بقوله تعالى : (( أخرج منها ماءها ومرعاها )) فهو ذلك .
وقد تأول الزنداني هذه الآية كغيرها لمجاراة علوم الملاحدة ففسر قوله تعالى : (( والأرض بعد ذلك دحاها )) بدورانها ، تدحرجها في مسارها وأنها لا تزال تتدحرج وتتقلب في فلكها ومسارها ، نسأل الله العافية .
فهذا الذي تقدم من خلق الأرض قبل السماء والشمس والكواكب يكفي وحده لإبطال خيال الدهرية من أن الأرض انفصلت عن الشمس ومازالت تدور حولها على السيرة التي بينتها قبل .
فالشمس خلقت مع السماوات تبعا لها بعد خلق الأرض .
في هذا الرسم رقم (2) يظهر شكل السماء والأرض حسب معتقد أهل الإسلام المطابق للكتاب والسنة ، كذلك يتبين دوران الشمس والقمر والكواكب حول الأرض وهو الذي يصدقه العقل السليم .
السماء الدنيا على شكل الكرة والأرض في جوفها وإنما رسمتها نصفين لتظهر صورة الأرض لأنها محيطة بها من كل جانب إحاطة الكرة بما في وسطها .
انظر الآن إلى الفضاء الصغير المحدود بالسماء الدنيا من بعض كل جانب يتبين لك ثبات الأرض وعدم مغادرتها موضعها لكن بعض الناس يقول : لو دارت حول نفسها يعني التي يسمونها الدورة اليومية لم تغادر موضعها وقد لا يكون في هذا معارضة .
فنقول :
أولا : لا يقصدون هذا وحده فإنهم يقولون تدور الدورة اليومية حول نفسها لتعاقب الليل والنهار والدورة السنوية حول الشمس لتعاقب الفصول الأربعة . فالدورة السنوية معناها الطيران في الفضاء .
ثانيا : دورانها ولو حول نفسها فقط معارض لنصوص الكتاب والسنة كما سنذكر ذلك إن شاء الله وكذلك هو فاسد في العقل . لكن عقولا كثيرة إعتادت قبول المحالات .