عرض مشاركة واحدة
قديم 05-07-2007, 11:06 AM   رقم المشاركة : [99 (permalink)]
sail
عضو متميز
الصورة الرمزية sail
 

sail يستحق التميز

اذا تأملنا المسكن التقليدي للنوبيين الفديكا الذين سكنوا في المنطقة المحيطة بمدينة وادي حلفا قبل غرق المنطقة في نهاية الستينات من القرن الماضي، فنجد تلك الدار التي اوت الأسر النوبية الممتدة كانت تنهض منعزلة أو شبه منعزلة عمّا جاورها من منازل في القرية النوبية لكأنها قلعةـ مبنى وحوائط عالية وحلقة من الغرف تلتف حول صحن وسطى. ووجه الشبه هنا لم يأت من فراغ. أولاً شكل القلعة نفسه موجود فعلياً ومتجذر وجدانياً ويشكل جزءً من التاريخ والتراث النوبي. شكل واحساس القلعة كان ضرورياً لصد عدائيات الطقس (مناخ تلك المنطقة متأرجح بين أعلى درجات الحرارة صيفاً وادناها في ليالي الشتاء) وايضاً كواق من غارات المجموعات العربية من الرعاة التي كانت تناوش سكان القرى في عهود قديم.شكل القلعة والتفاف حجرات الدار حول ذلك الفناء والصحن الوسطي شكل خير وعاء وكان الحضن الدافئ لتلك الأسر الممتدة المكونة من الزوجات والاطفال ما احوجها في ذلك الزمان للدفء الانساني مع غياب ارباب الاسر النوبية المكونة لسكان الدار وتشتتهم في المهاجر البعيدة طلباً للرزق. وهنا يستجيب شكل وتصميم الدار لضرورات عديدة نابعة من واقع اقتصادي ومجتمعي ويصبح صمام امان ويحقق الامن المجتمعي والنفسي معاً. وما احوجنا للاعتراف والاهتمام بهذا المطلب تماماً كما نعني بأمر الأمن الغذائي.شكل واحساس القلعة المميز للبيت النوبي التقليدي يزيد من قوته وحسن احاطته وخلوه من النوافذ الفتحات الكبيرة عدا تلك البوابة العملاقة وبعض من فتحات صغيرة مفتوحة اعلى الحجرات. وهو بذلك يشكل استجابة لمطلب مرتبط بالأمن النفسي ـ الوقاية من العين الحاسدةـ ولا يداخلني شك بأن النوبيين في ذلك الزمان ـ فترة الستينات من القرن الماضي ـ كانوا مهمومين بمسألة الارواح لدرجة الهوس. فعليه شكل القلعة بتلك المواصفات كان لهم خط دفاع مهم جداً دعموه بتلك الرسومات والزخارف والكتابات والاسطح اللامعة والعاكسة (المتمثلة في اطباق وصحون الصيني وقطع المرايا الملصقة على جدار الدار الأمامي)، وايضاً تلك الاجزاء المسننة من جماجم الحيوانات (غزلان وتماسيح) المعلقة فوق البوابة. ومعروف ضمنا وعالمياً عند المهمومين بأمر السحر ان الاسطح العاكسة والعناصر المدببة تدرأ العين الشريرة.الشكل العام للبيت النوبي ونظام فتحاته الخارجية والزخارف التي تغطيه مقروءة مع تصميم الدار كلها تبدو وكأنها تسخر فيما تسخر للتعامل مع مسألة الارواح. بالاضافة الى ذلك فان البيت النوبي فيما يخص توجهه وفي كل الحالات ـ سواء أكانت تلك البيوت مشيدة شرق النيل أم غربه ـ كانت دائماً توجه وتفتح متجهة نحو النيل. والمعروف عند النوبيين في ذلك الزمان وفي تراثهم بشكل عام ان الملائكة تسكن وتأتي من النهرـ أو البحر على حد تعبيرهم ـ ونجد عندهم دائماً في عبارات الضراعة (يا ملائكة البحر). اذا من المنطقي بالنسبة لهم ان تفتح بوابة الدار باتجاه النهر لاستقبال الملائكة. عليه لم يكن أمر توجه الدار يخضع لاحتياجات مناخية مثل استقبال الرياح لغرض التهوية أو لتفادي اشعة الشمس. اتأمل تلك المسائل مجتمعة المتعلقة بشكل البيت النوبي الشبيه بالقلعة وكذلك ملامح تصميمه وتزيينه الاخرى فتتولد عندي قناعة بأن من اسباب عظمة العمارة النوبية التقليدية انها استوعبت الانس والجن معاً.مما اوردناها هنا يتضح لنا ان شكل القلعة ذلك كان مبرراً للغاية وتسنده حجج عديدة مرتبطة بجوانب متعددة ميزت حياة النوبيين في قراهم الوادعة تلك. ومن المدهش حقاً ان نجدهم قد دعموا شكل تلك القلعة بتشكيل اعمدة من الطين من نفس مادة بناء المنزل ترتفع على اركان الدار فتقوى الاحساس بالقلعة ومعها الاحساس بالامان.مما ورد من اشارات هنا لموضوع تعامل العمارة التقليدية مع الارواح. وايضاً افتتاني بشكل القلعة كمعبّر لحالة معينة بكل ابعادها، يجب ألا ينظر اليه باعتباره محاولة لاحياء تلك الوساوس الكامنة في نفوس الناس أو تضخيم جانب يعتبره البعض ضرباً من ضروب الدجل والشعوذة وانما اشرت هنا لحالة معينة معبرة عن زمان معين ومكان محدد ـ ارض النوبةـ تعامل معها المعماري بكل حصافة وذكاء وحكمة. وروعة العمارة في نظري تتأتى ـ فيما تتأتي في حسن تعاملها مع الانسان والمجتمع بكل وساوسه ـ ان وجدت ـ وهمومه واشواقه. اما عن افتتاني بشكل القلعة فيجب ايضاً ان لايفهم بأنه توجهاً متحفياً ودعوة لتحدي الزمان والمكان ولتحنيط الناس ـ النوبيين في هذه الحالةـ وتعليبهم في هذا الشكل المعماري لاحياء التراث او بعثه من جديد. انما قصدت فيما اشرت اليه بالنسبة لهذا الشكل لفت النظر للحظة تجلي معمارية تطابق فيها الشكل مع المضمون ـ او الماعون مع المضمون ـ ولا ارى حرجاً في تكرار ذلك الشكل المعماري اذا تكررت نفس الظروف مع اناس نوبيين أو غيرهم ممن يحملون نفس السمات والخصائص. فقط قد نستصحب معناً في هذه الحالة منجزات التقدم التقني وما استجدت من مواد بناء.ما سقته هنا عن روعة العمارة النوبية التقليدية لايقلل من شأن رصيفاتها مما ابدعته مجموعات السودان القبلية والثقافية الاخرى، فكلها في منتهى الروعة من حيث حسن وصدق التعبير عن الانسان ومجتمعه وثقافته وارضه. فقط هذا الامر يحتاج منا الى نظرة معمقة ونافذة وذهن مفتوح. وروعة العمارة التقليدية في هذه الحالة يجب ان لاتقيم بمقاييس تطاول البنيان أو بديع الزخرف. فقد تكمن عظمة العمارة التقليدية في صغر حجمها وقلة عناصرها ومحدودية الوانها وبساطة أو انعدام زخرفها. وبذلك تكون حالة هى مثال لـ(خير العمارة ما قل ودل).
العمار السودانية!!-
هذه الظاهرة تستحق انتباهة كبيرة، ودراستها وتعمق فيها يفيد المعماري الممارس بشكل كبير لانها في الاساس هي ظاهرة معمارية وثقافية واجتماعية، وهي تعود بنا الى ما اشرنا اليه هنا من ضعف المكوِّن الثقافي في شخصية المعماري السوداني. ويدهشني للغاية اننا نلاحظ ثمة ملامح ن ونتعمق في العمارة النوبية السودانية. وانتظرنا حتى تأتينا مستوردة من دول الخليج، وحتى هذه (العمارة النوبية) اكتفينا منها بالملامح السطحية والقشور، وغاب عنا جوهرها بكل ما فيه من تجليات ورمزية عميقة. وهذا واحد من اشكالاتنا الاساسية وولعنا بالمستورد واحساسنا بالدونية نحو كل ما هو محلي. بالذات اذا ارتبط بالثقافات المحلية والريفية. وهذا الامر يعود بنا مرة اخرى لضعف مناهج دراسة العمارة في السودان، اذ لم تحتل فيها العمارة المحلية التقليدية السودانية مكانها الا قبل سنوات قليلة.
وبال تلك التي تمثلها عمارة سواكن. الهوية السودانية هي التي تمثلها كل الثقافات السودانية المتعددة.
كيف نصنع العمارة السودانية؟
- الامر جد صعب ومعقَّد، لانه بلا شك ليس إعادة تدوير او استنتساخ لاشكال قديمة. لان هذه الاشكال كانت تعبر عن زمان ومكان قد لا يتكرران، والعمارة حقا هي كائن متغير حسب الملابسات والظروف فالنوبي من شمال السودان قد لا نسترضيه هو الكائن الحضري الذي يعيش في عصرنا الآن.. قد لا يسترضيه ذلك البيت النوبي القديم بكل روعته وجماله. والصعوبة في الامر ان المعماري مطلوب منه اعادة صياغة شكل معماري يناسب النوبي الحضري في القرن الحادي والعشرين. واعادة الصياغة لا تتأتى الا بفهم معمق للانسان ولمجتمعه. وهذا يستدعي الماماً بالجوانب المتعلقة بالعلوم الانسانية.
ف والجلود.. والعملية هنا اصعب لعدم وجود مرجعية قريبة الشبه بالعمارة الحضرية. وهنا التحدي كبير لان على المعماري صياغة عمارة مختلفة تماماً ومرتكزة فقط على موجهات الثقافة السودانية



sail غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس