اهداء 1 :
الى حسن فتحي .. ذاك الراهب في محراب العمارة ..
بعض بضاعته ردت اليه .
اهداء 2:
الى الشعب العراقي ..
اولئك الذبن يرتقون رقاع الثوب العربي بأجسادهم .. ينفضون ركام الوهن عن كواهلهم ..
وينتفضون كما الجن.. ليكتبوا بأحبار حمراء ملاحم واساطير ضد الطغاة ..
.................................................. ( 1 ) ...............................................
أذكر ذات فجر .. اني زرت الدرعيه القديمه بعد ليله ماطره .. بارده ، كان السحاب يترجل من ملكوت السماء الى اديم الارض فيصبح ضبابا شفافا يزيد من فتنة المكان وعبقه .
بيوت طينيه متلاصقه بشكل حنون لتحمي بعضها من الرياح الحاره ، والازقه الضيقه المتعرجه تصنع علاقه جدليه بين النور والظل ..
علاقه عفويه معبره ، وتدور كل الطرق في فلك المسجد الذي يشكل نواة القريه ، وبجانبه سوق صغير. بانوراما الضوء والظل لوحة تخترق سعفات النخل لتخلق في ممرات السوق حوارا دافئا يثير الشجن ، الطرق متدرجة الحجم ، فمن طريق رئيسي للقريه الى طريق اصغر مسدود تفتح عليه ثمانية بيوت او اكثر .
اذا دخل غريب الى هنا الكل يتابعه بالنظرات حتى يعرفون من يريد ، كثيرا ما نصاب بداء الزهو فنعتقد انهم اناس بسطاء وسذج ، لكن الحقيقه انهم لم يكون كذلك البته ، كانوا يطبقون نظرية (( الامن الذاتي )) التي تعتمد على كون ساكن الحي هو رجل الامن الاول الذي يحمي الحي من أي عابث ..
كان البسطاء يفعلون ذلك من قرون ، بينما نركع نحن في مدارس الغرب لنستوردها منهم بشئ من الرجفه ، وفقدان الوعي . قديما قيل : عمارة المكان مرآة لأهله ، فهذه البيوت المتلاصقه بشئ من الهيام تعكس العلاقات المترابطه بين السكان ، تطبيق نظرية الامن الذاتي وتدرج الطرق والفراغات كان سببا في محاصرة الجريمه ، هم لم يكونوا قديسين ، بل أذكياء قليلا ، لذا كانت الساحه عند السوق والمسجد مكانا ليلعب فيه الاطفال والغلمان .
احيانا يخالجني شعور مبهم ان افلاطون عندما كان يبحث عن مدينته الفاضله مر من هنا ، حيث يتكثف الزمان والطين والمكان فتغدو اقاصيص وملاحم ، سماء تنفتح في وجه الارض ، أرض تورق في وجه السماء حتى تصبح كالاثير ، ثم يلتقيان ..
الارض والسماء يغدوان واحدا ..!!
.................................................. ( 2 ) ...............................................
هذه التأملات انهمرت كما السيل عند اول زيارة لي الى العذيبات في شتاء 1999 م على هامش ندوة عمارة المساجد اثر دعوه كريمة من صاحب السمو الملكي الامير سلطان بن سلمان للمشاركين في هذه التظاهره المعمارية الهامه .
لم استطع ان اكتم دهشتي من هذا الحضور الطاغي للعماره في هذا الجو الربيعي الرائع ، فالبساطه والرقه والعذوبه كانت تتشكل على الابواب والجدران والمزاريب .. خصوصا في هذا الزمن المعتم الذي تراجعت في قيمنا وتاريخنا وانسحقت تحت غابات الاسمنت والحديد .
في هذا المكان تذكرت ذاك الحكيم المصري .. حسن فتحي .. ذاك المناضل العظيم الذي كان وفيا لمبادئه حتى ترجل من فرسه قبل ان يكمل الحواريون الذين التفوا حوله ما توقف عنده استاذهم ، من العوده الى الارض وللمصادر الطبيعيه للارض وكفاحه من اجل الفقراء ونظريته للجمال العمراني .
وعندما اردت أن اختار مبنى ينتصب واقفا كرمز لتراث يفرض نفسه مستقبلا لم اجد صعوبة في اختيار العذيبات كموضوع بحث ،وذلك لاسباب عديده : الاول .. ان العذيبات كانت وما تزال تطرح " اسئلة افتراضية " تختص بالعماره التقليديه فيما لو استمرت : كيف ستكون ، واين ستصل ، قبل ان يعقها ابناؤها ويجعلوها اسيرة للمتاحف .
الثاني .. ان هذا البحث فرصة لاستحضار افكار حسن فتحي العميقه وتطبيقها على هذا المثال ولو باختصار شديد ، لانني لا اريد ان ادرس العذيبات كجزء من الماضي ، بل كجزء ممكن لمشاكل الحاضر والمستقبل ، ولو من اجل الفقراء الذين لا يجدون مأوى يحتضنهم .
الثالث .. كوني مغرما بالعماره النجديه ، فما زلت ارى ان عمارة المكان التي بدأها فتحي ويروج لها المعماري الكبير راسم بدران تستحق الاحتفاء والاهتمام والدعم والتبجيل والتقدير واشياء اخرى جميله .
من اجل هذا كانت العذيبات ..
ومن اجله .. تلطخت الورقة بسواد الحبر ..
وبرائحة الطين ..
[