الموضوع: مقال معماري
عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 15-10-2001, 12:13 AM
الصورة الرمزية فيصل الشريف
فيصل الشريف فيصل الشريف غير متواجد حالياً
مشرف عام
 


مقال معماري

 

اعترف في البداية باعجابي باسلوب الدكتور مشاري النعيم في النقد المعماري وممارسة المهنة ، واحب دائما ان اقرأ له ما ينشره هنا وهناك في صحيفة الرياض وبعض البحوث المنشورة له ، حيث انه يملك اسلوبا جميلا في كتابته المتخصصة ، وقد قرأت له هذا اليوم جزء من مقال حول تشكيل هوية المتلقي ، احببت ان انسخه هنا مع ذكر مرجعه للفائدة ، الا انني اشعر بالندم لعدم قراءتي للجزئين الاولين من هذا المقال ، وارجو من من لديه الاجزاء السابقة من المقال ان يضعها هنا :

تشكيل هوية المتلقي (3)
د. مشاري عبدالله النعيم


قبل عدة سنوات شاهدت فيلماً سينمائياً يدعى "المدينة المعتمة" the derk city هذا الفيلم الذي يصور مدينة تعيش في الظلام دون ان تشرق الشمس فيها ابداً، تتحول فيها التركيبة العمرانية كل لحظة تجعل من ساكني المدينة في حالة تشوش مستمر لا يستطيعون بأي حال من الاحوال بناء ذاكرة مع المكان ويعيشون حالة اللا انتماء تزيد من حالة التوتر النفسي الذي يعيشه السكان وتجعلهم في حالة اللا استقرار. بين الفينة والاخرى تظهر صور قديمة يعرفها السكان تذكرهم بماض كانوا يعيشونه في زمن ما ومكان ما، صور تشكل ذاكرتهم. تلك المدينة التي كانت عبارة عن مستعمرة في الفضاء يحكمها بعض الاشرار هي مدينة تتشكل باستمرار حاول فيها هؤلاء الاشرار السيطرة على مجموعة من البشر من خلال اقناعهم انهم يعيشون في المدينة التي يعرفونها ولكن في زمن او ازمان مختلفة من خلال التحول اليومي في التركيبة العمرانية فتظهر مبان وتختفي اخرى بصفة مستمرة تزيد من حيرة هؤلاء البشر. تبعاً لذلك ومع تتابع الاحداث، بدأت هوية ساكني المدينة تتشكل تبع هذا التغير الدائم الذي يعشيونه، تختلط المشاعر النبيلة بالمشاعر الشريرة مع تحول المدينة، تظهر العاطفة للمكان مع ظهور صور معروفة مختزنة في الذاكرة، ويسطر القلق مع كل صورة جديدة يراها هؤلاء، خصوصاً اذا كانت الصورة المتغيرة في نفس المكان الذي رأوه بالامس. لقد نجح المخرج الى حد ملفت للنظر في ابراز اهمية البيئة المعمارية كبيئة تشكل الغلاف المحيط بالانسان والتي منها ينسج تجربته الاولى ويبني بها ومعها تجاربه البصرية، هذه البيئة التي تصنع خبرته القديمة وتعينه على تحديد موقفه من كل تجربة جديدة.

مؤخراً شاهدت فيلماً آخر يدعى "عودة المومياء" the Mummy's Return وهو احد الافلام التي يمكن للمشاهد ان يتعرف من خلاله على جزء من العمارة المصرية القديمة خصوصاً عندما اعيد بناء مدينة الكرنك بمعابدها واسوارها وقصورها بالكمبيوتر. حتى الرسوم الجدارية الملونة والزخارف الداخلية اعيدت للحياة بصورة ملفتة للنظر. الفيلم الذي يربط الحقيقة التاريخية بالاسطورة يبدأ قبل 5000عام وتجري احداث الفيلم في الثلاثينات من القرن العشرين (فترة الاكتشافات المهمة للحضارة المصرية القديمة) في ربط شبه خيالي الا انه يدور حول مدينة "أم شير" الاسطورية التي يزعم الفيلم ان الحياة والقوة لـ "آمحو تب" ستعود في تلك المدينة. من الناحية المعمارية لابد للمشاهد ان اخترن عدداً من الصور المبهرة للمعمارة المصرية القديمة والتي صورت ببراعة واحترافية لا يملك المشاهد الا الاقتناع بما يشاهده.

هل نستطيع ان نتحدث هنا عن تكامل الفنون؟ هل نستطيع ان نتحدث عن تداخل الفنون البصرية بالذات؟ الذي اراه ان الفنون البصرية جميعها تقوم بدور مهم في تشكيل هوية المتلقي، فالسينما كفن بصري حركي لابد ان يترك اثراً على شخصية المشاهد، والعمارة كفن بصري معاش يجربه الانسان في كل لحظة لابد ان يصنع الخبرة القديمة عند الانسان، خصوصاً تجربة الفضاء البصري. لعلنا كذلك نثير اهمية السينما في نقل الصورة المعمارية للمشاهد، فمن تجربة فلسفية عميقة مقرونة بالخيال العلمي في فيلم "المدينة المعتمة" الى تجربة اسطورية مقرونة بحقائق تاريخية وآثارية تعكسها البيئة العمرانية الفرعونية في فيلم "عودة المومياء" يسبح المشاهد مع الفضاء البصري المعماري ويبني عبر السيناريوهات التي تطرحها المشاهد تجربة ذهبية بصرية لم يعشها في الواقع ولكنها بالتأكيد اعادت صياغة خبرته القديمة.

nmasary***********

المصدر : جريدة الرياض / العمران والتنمية
الاحد 27 رجب 1422 - Sunday 14 October 2001

 

رد مع اقتباس