عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 02-02-2003, 10:22 AM
سامي سعيد سامي سعيد غير متواجد حالياً
عضو فعال
 


رفعة الجادرجي ...... قراءة ما بين السطور !!

 

أكتسب ( رفعة الجادرجي ) على المستوى العربي و العالمي ( ان صح لنا القول ) شهرة التنظير المعماري , ولعل مؤلفاته و أبحاثه تعد أكثر الأبحاث عمقاً في التركيبة ( الإجتماعية - العمرانية ) في العالم العربي .
ولعل هذا ما طغى على الجادرجي فغطى على أن نقرأ أعماله قراءة معمارية متأنية .

عندما قرأت كتاب " شارع طه وهامر سيمث " أيقنت أن رفعة الجادرجي هو فليسوف بجانب كونه معماري , وعندما قرأت كتابه " الأخيضر و القصر البلوري " جزمت على أن أدرس عمارة رفعه الجادرجي دراسة خاصة ( بحكم أني لا زلت طالباً أي لازلت في معمة التكوين المعماري ) .

إن رفعة الجادرجي قد وصل بالعمارة التقليدية ( التحدارية ) كما يطلق عليها ) الى المستوى الشكلي التجريدي , فأصبح ينظر اليها كمنحوتة فنية لها خصائص تقليدية مجردة ( حسب مفهومه ) , لكنه لم يتعامل مع ( الفراغ ) المعماري بتلك النظرة ( التحدارية ) أو بتلك الخلفية التقليدية , فعندما نشاهد مساقطه الأفقية نجد أنها في كثير من الأحيان تكون مساقط أفقيه حديثة ( كفكر ) أو اشبه بمساقط العمارة الحديثة ( أن صح لنا التعبير ) .

هنا يجدر بنا أن نسأل ذلك السؤال الملّح ....
هل العمارة من الداخل الى الخارج ؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن فصل الشكل عن المضمون ( المحتوى ) ؟

لقد طرح هذه الجدلية الدكتور ( عبد الباقي إبراهيم ) في أحد أبحاثه وهو على ما أعتقد ( النظرية الإسلامية ) , وهي تتمحور في جدلية ( الشكل و المضمون ) وأيهما أجدر أن تُوصف به العمارة الإسلامية ....
وأستنتج الدكتور أن المضمون ( المحتوى ) هو الأساس في العمارة الإسلامية و ان الشكل نابع منه , فالمسجد في الصين مثلاً هو نفس المسجد في الرياض ( كمحتوى ) ولكنه يختلف ( كشكل ) .
وهذا الذي لم يثبته الجادرجي في ( أعماله ) .
قد يقول البعض ان الجادرجي تطرق الى الحوش ( الفناء الداخلي ) في بعض أعماله وذكر تلك الأعمال في ابحاثه وهذا صحيح .
لكن توقف الجادرجي عن تطوير الفناء الداخلي حسب مفهومه أدى الى أنه تخلى عنه تماماً واتجه نحو الطاق ( أو ما يعرف بالعقد ) كمفرد معماري من العمارة التقليدية و أخذ يثبته في أعماله مطوراً تارة و مجرداً تارة أخرى .
أن القارئ لكتابه ( الأخيضر و القصر البلوري ) يعي ذلك تماماً ....( ففي الفصول الاولى على ماذكر ) كان رفعة يتحدث عن الحوش وأنه لم يستطع أن يجد له تصوراً تجريدياً , ومن ثم وبدون مقدمات نجده يتجه نحو الطاق ( العقد ) اتجاهاً عنيفاً ليطوره و يجرده حتى في معالجة اركان المساقط , ولقد جعله في فصل خاص به في الكتاب وهو الفصل السابع عشر و اسماه ( بالطاق ) , أما أذا تحدثنا عن الفناء فأنه دمجه مع الحدائق , وأن كانت نظرته للحديقة طغت على نظرته للفناء الداخلي ( كما هو في الفصل السادس عشر من نفس الكتاب ) .

يجدر بي أن أتطرق الى الأفكار المعمارية النيرة التى استحدثها الجادرجي مثل " الجدار الناتئ " و " جداران التأمل في المعهد الصحي " و ايضا " الجدار الملتف " .
ولعل هذا الأخير ( الجدار الملتف ) يثبت توجه الجادرجي نحو الشكلية في فهم العمارة الإسلامية أو بالنظر لها .
نسأل سؤالاً هنا ....
السنا نحن قوم المعماريين نؤمن بأن الشكل الخارجي ما هو الا نتيجة التفاعل الداخلي ؟...
لقد تجلي في هذا الجدار الملتف رمز الشكلية في أعمال الجادرجي , فعندما استحدث الجاردجي الجدار الملتف لم يقصد به الحماية من المناخ و اسقاط الظلال فحسب , بل كان يسعى الى نحت المبنى بأكمله كقطعة فنية و أن يخرج عن دائرة التكرار نتيجة المقياس الإنساني المتمثل في النوافذ , ولكن بالجدار الملتف أصبح النحت ممكناً في ظل وجوده دونما أي فرضيات وظيفية أخرى تعكر صفو النحتيه التى كان ينتهجها .
نقول هنا نقطة مهمة ( في رايي ) ...
أن المباني التى احتوت على ( الجدار الملتف ) أصبحت مباني زائفة , حيث أن الواجهات لاتعكس حقيقة المبنى و تفاعل الفراغات الداخلية للمبنى , وأنما أصبحت شكلية فقط .
نذكرهنا أن هذا المفهوم يتعارض مع المبدأ الإسلامي في العمارة حيث أن الوضوح و التلاحم ما بين الداخل و الخارج ( وعلى سبيل المثال الفتحات القليلة المطلة على الواجهة في المنزل الإسلامي كانت تعكس التوجه نحو الفناء الداخلي لفراغات المنزل ) ..
وايضا نذكر هنا أن مبدأ الجادرجي يتعارض مع مفهوم الحداثة نفسه , حيث تخلت الحداثة عن النحتيات الغير وظيفية و انتجت عمارة بسيطة و واضحة ( و أن كانت أحيانا مبتذله ) .
ولعل هذا الجدار الملتف يذكرنا بتلك القبة المزيفة في الكنائس في عنصر النهضة و التى لم يكن لها سبب إنشائي بل اتت نحتيه بمعنى الكلمة .
أذن .....
ماهي عمارة الجادرجي ؟
لا شك أن الجاردجي معماري جهبذ و متميز , وقد نحى بالعمارة الى مجال خاص به ( كأي معماري أخر ) و لاشك أنه أضفى الى العمارة في العالم العربي نكهة مختلفة , لكنها من منبع واحد !!
بمعنى ان رفعة الجادرجي لم يخرج عن الإطار العام للكلاسيكين ( مهما أختلفت توجهاتهم و نظرتهم للعمارة الإسلامية ) ولكنهم لا زالو يجتمعون على ( الرومانسية ) تلك الصفة التى حاول الجادرجي أن يتملص منها و يحاول أن ينتقدها في أعمال الأخرين بشكل أو بأخر ( كما رأينا في فصل " التراث و الإلتزام " ) من نفس الكتاب السابق ) .

لعلها تلك ( الدوامة ) دوامة الرومانسية ) هي من قضت على العمارة الإسلامية الحديثة أو لازالت تقف أمامها , أو هي تلك الدائرة التى لا يزال الكلاسيكيون أسيروها رغم أختلافهم في نهجهم .
لعلنا نحاول ان نتعرف على تلك ( الدوامة ) عن قرب عندما نرى نهج معماري الفقراء ( حسن فتحي ) ..... الذي سوف نقرأه لاحقاً ..... قراءة ما بين السطور !!

 

التوقيع: المعماري الحقيقي لا يزيل جبلا ....ليقيم عليه المشروع.
(( أم القرى ))
رد مع اقتباس