ص 176
نبوة الأفضل ، يقول المظفري : يجب أن يكون الإمام أفضل الناس ، وإلا فكيف تجب طاعته واتباعه ، وكيف يكون له القدرة ، وكيف تحصل به السعادة ، ولو جاز ذلك ، لجاز أن يبعث الله رسولا " ، وفي الناس من هو أليق وأجدر وأقدر على أداء الرسالة ( 1 ) .
ويستند الشيعة في إمامة الأفضل إلى قول الله تعالى : * ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ) * ( 2 ) .
وليس النص والعقل وحدهما اللذان يقضيان بوجوب إمامة الأفضل ، بل إن الذوق يستنكر أن تكون للمفضول رياسة على الأفضل ، ويعرض الإمام الرازي لهذا الرأي ، فيقول : أليس يقبح أن يكون لمن لا يعرف في الفقه ، إلا مبادئه ، وأعدادا "
من مسائل الفقه ، رياسة فيه على الإمام أبي حنيفة ( 80 ه* / 150 - 699 - 767 م ) مثلا " ، فإذا كان الإمام إماما " لرعيته في أحكام الدين ، وعلومه ومبادئه ، وجب أن يكون أفضل منهم ، وأكثرهم علما " وعبادة ( 3 ) .
هذا ويعتبر الشيعة الإمام حجة فيما يؤديه كالرسول ، وفي تجويز كونه مساويا " في الفضل بعض رعيته ، أو أنقض فضلا " منهم ، ما ينفر عن القبول أو الخضوع لرياسته .
ويرى الرازي أن دخول الفاضل تحت رياسة المفضول ، مما يسهل على من هو أنقض فضلا " من الأمير ، الدخول تحت طاعته ، كما اختار النبي صلى الله عليه وسلم ، عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فجعله في جيش أسامة ، لما أنف بعض مشيخة قريش أن يكون في جيشه ( 4 ) ، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل ، وكسر ما فيه من نخوة .
* هامش *
( 1 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة لدي الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 م ص 157 ،
المظفري : الشيعة والإمام ص 34 .
( 2 ) سورة يونس : آية 35 .
( 3 ) الرازي : نهاية العقول في دراية الأصول 2 / 240 ( مخطوط ) .
( 4 ) ذهبت بعض المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في جيش أسامة بن زيد بن حارثة أبا بكر =>
ص 177
وهذا نقد لا يثبت للنقد ، لأن الرازي قد اعترف في المثال الذي أورده ، أن بعض مشيخة قريش قد أنفوا رياسة أسامة ، اعتقادا " منهم بأفضليتهم ، أو بوجود من هو أفضل منه ، مع أنهم بذلك قد عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم هم راجعوا أبا بكر في أمر سياسة أسامة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي هذا ما يدل على أن رياسة المفضول يمجها الذوق والعرف العام ، هذا فضلا " عن أن ما ذكره الرازي لتبرير إمامة المفضول متهافت كذلك ، لأنه إذا كان تواضع الأفضل يسهل انقياد الرعية للأمير المفضول ، فإنه من ناحية أخرى ، يشجع المفضول الذي تقل درجته في الفضل - إلى حد الفسق - أن يغلب على أمر المسلمين بالقوة ، مستندا " إلى تواضع الأفضل ، أو سكوته على الحق ، وهذا ما تم بالفعل في أمر الخلافة منذ تولاها الأمويون .
والواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهاءهم ، لم يسلموا بجواز إمامة المفضول ، مستندين إلى أصل من أصول الدين ، ولكنهم جوزوا ذلك ، إما تبريرا " لسلطان الخلفاء ، ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم ، وإما على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة ، ليس إلا .
ولعل هذا إنما يبدو واضحا " - كل الوضوح - إذا رجعنا إلى رأي ابن حزم وموقفه العجيب من الإصرار على جواز إمامة المفضول ، زاعما " أن معرفة الأفضل لا يمكن الوصول إليها ، إلا بالظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا " ، ثم إن قريشا " قد كثرت وطبقت الأرض من أقصى الشرق إلى أقصى
* هامش *
=> وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم ، وذهبت أخرى إلى أنه جعل أبا بكر وعمر فقط ، واقتصرت ثالثة على عمر بن الخطاب ، وذهبت رابعة إلى أنه جعل في هذا الجيش أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وسعد بن أبي وقاص ( السيرة الحلبية 3 / 227 ) ،
مغازي الواقدي 3 / 1118 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 334 ، تاريخ الطبري 3 / 226 ،
محمد أبو زهرة : خاتم النبيين 2 / 1215 ، الندوي : السيرة النبوية ص 347 ) . ( * )
ص 178
الغرب ، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم بوجه من الوجوه ، وبدهي أن هذا إنما يستند إلى أن الإمامة باختيار .
وأما تبريز سلطة الخلفاء ، فيتضح من قول ابن حزم : يكفي بطلان هذا القول ( إمامة الأفضل ) إجماع الأمة كلها على بطلانه ، فإن جميع الصحابة ممن أدرك ذلك العصر ، أجمعوا على صحة إمامة الحسن أو معاوية ، فلو كان ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403 ه* ) حقا " - في وجوب الأفضل - لكانت إمامة الحسن ومعاوية باطلة ( 1 ) .
وهكذا ينكر ابن حزم أن معاوية قد استولى على أمر هذه الأمة قهرا " ، وبالسيف ، وصدق الإمام الحسن البصري ، حيث يقول - فيما يروي الإمام الطبري وابن الأثير وغيرهم - أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه منهن ، إلا واحدة ،
لكانت موبقة ، إنتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء ، حتى ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة ، وذو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا " خميرا " ، يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا " وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا " ، ويلا " له من حجر - مرتين ( 2 ) .
ودخل سعد بن أبي وقاص على معاوية ، فقال : السلام عليك أيها الملك ، فغضب معاوية فقال : ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذاك إن كنا أمرناك ، إنما أنت منتز ( 3 ) .
وأما سيدنا الإمام الحسن - خامس الراشدين - فما جاء هنا ، إنما هو رأي ابن حزم الأندلسي ، وأما من بايعوه ، فقد كانوا يعتقدون أنه أفضل الناس - بعد
* هامش *
( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 158 - 159 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ( دار المعارف - القاهرة 1979 ) ، ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 3 / 487 .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 . ( * )
ص 179
أبيه الإمام علي - وهو صحيح ما في ذلك من ريب . وعلى أية حال ، فإن أهل السنة والشيعة لا يحتدون في الجدل طويلا " حول إمامة الأفضل بسبب قوة منطق الشيعة في دعواهم ، فضلا " عن أن موقف أهل السنة نفسه ، لا يبدو واضحا " ،
هذا إلى أن جواز إمامة المفضول ، أمر لا يبرره منطق أو دين ، وإن وجد له تبرير من مقتضيات الواقع ، أو حوادث التاريخ ، وليست هذه هي التي تملي على الفقهاء والمشرعين أصول الأحكام .
على أن الجدل إنما يشتد ويحتد بين أهل السنة والشيعة حول المفاضلة بين الصحابة ، ولا سيما الخلفاء الراشدين ، وهو أمر ذو صلة وثيقة بوجوب إمامة الأفضل .
وتذهب الشيعة - بكل فرقها - إلى أن الإمام علي بن أبي طالب ، إنما هو أفضل الصحابة أجمعين ، وأنه يزيد فضلا " على أبي بكر ، ومعارضة أهل السنة لدعوى الشيعة في أفضلية الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما
تنطوي على تسليم منهم بوجوب إمامة الأفضل ، ومن هنا استقر رأي الأشاعرة على أن ترتيب الخلفاء في الفضل ، إنما هو ترتيبهم في الخلافة ( أبو بكر - عمر - عثمان - علي ) ، وقد نادى بهذا الرأي - الإمام أبو الحسن الأشعري ( 260 ه*
/ 874 م - 324 ه* / 1935 ) والإمام أبو حامد الغزالي ( 450 - 505 ه* ) ، ولم يكن هذا الرأي منهما عن اجتهاد مبعثه الحيدة التامة في المفاضلة ، بقدر ما هو اعتبار أن ما جرى ، فيما يتعلق بالخلافة الراشدة ، لا بد أن يكون قد تم في اعتبارهم ، وفقا " لوجوب إمامة الأفضل .
ثم يخلص الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي إلى أن القاعدة العامة عند أهل السنة ، إنما هي وجوب إمامة الأفضل ، وأن جواز إمامة المفضول ، ليس إلا استثناء تقتضيه الضرورة القصوى ، وأن إمامة الخلفاء الراشدين قد جرت وفقا " لهذه القاعدة ، وأن تبريرهم الاستثناء ، وتجويزهم إمامة المفضول ، لم يكن
ص 180
إلا للدفاع عن الأمر الواقع ، منذ أن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان ( 1 ) .
هذا وترى الشيعة أن الإمام يجب أن يكون عالما " بما آل إليه الحكم فيه ، والذي يدل : أن الإمام إمام في سائر أمور الدين ، ومتولي الحكم في جميعه - جليله ودقيقه ، ظاهره وغامضه - كما يجب أن يكون عالما " بجميع أحكام السياسة والشريعة ( 2 ) .
هذا فضلا " عن أن يكون الإمام أشجع من في رعيته ، ويدل على ذلك : أنه ثبت أنه رئيس عليهم ، فيما يتعلق بجهاد الأعداء ، وحرب أهل البغي ، وذلك متعلق بالشجاعة ، فيجب أن يكون أقواهم حالا " . هذا إلى جانب أن يكون أعقل قومه ، وأن لا يكون قبيح الصورة ، ينفر الناس منه ، هذا إلى جانب أن يكون منصوصا " عليه ( 3 ) .
ولما كانت هذه الشروط جميعها لا بد من توافرها في الإمام ، وأنها غير متوفرة ، إلا في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلذلك كانت الإمامة لهم ، وفيهم دون غيرهم ( 4 ) .
ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن الخلافة أو الإمامة الفاطمية ( 358 - 567 ه* / 968 ه* - 1171 م ) إنما هي خلافة دينية وراثية تقوم على أسس المذهب الشيعي الإسماعيلي ، وتستند إلى أساسين : -
الأول : هو العلم اللدني أو الإلهي ، الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن طريق الإمام علي عليه السلام ، ثم أولاده من بعده ، ثم إلى الفاطميين .
* هامش *
( 1 ) أحمد صبحي ، المرجع السابق ص 160 - 161 .
( 2 ) الطوسي : تلخيص الشافي ص 245 ( النجف 1965 ) .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 274 .
( 4 ) نبيلة عبد المنعم داود : المرجع السابق ص 316 . ( * )
ص 181
فالإمام الشيعي إذن ، ليس شخصا " عاديا " ، وإنما هو فوق الناس ، فهو المشرع ، وهو المنفذ لا يسأل عما يفعل ، لأنه معصوم من الخطأ ، بسبب ما ورثه من علوم لدنية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك نوعان من العلوم : علم الظاهر ،
وعلم الباطن ، أي ظاهر القرآن وباطنه ، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ، الإمام علي بن أبي طالب هذين النوعين من العلوم ، فأطلعه على خفايا الكون ، والسر المكنون من هذه العلوم ، وكل إمام ورث هذه العلوم لمن جاء بعده ، ولهذا كان الإمام معلما " أكبر .
والثاني : الوصية أو النص على ولاية العهد ، والخلافة الفاطمية - شأنها شأن أية خلافة شيعية - إنما ترى أن الإمام علي يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الكفاية ، فضلا " عن النص عليه بالاسم .
ومن ثم فإن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ، وإنما هي ركن الدين والإسلام ، ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم ، أن يتركها للأمة ، بل كان عليه تعيين إمام لهم معصوما " من الخطأ ، وأن الإمام علي بن أبي طالب ، هو الإمام الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم ، بعده ، ويستشهدون على ذلك بحديث الغدير والموالاة والمنزلة وغيرها من الأحاديث .
ومن هنا نشأت فكرة الوصية ، ولقب الإمام علي بالوصي ، بينما لقب من جاء بعده من الأئمة بلقب الإمام ، ومرتبة الوصاية أعلى من مرتبة الإمامة ، وأقل من مرتبة النبوة ، ثم انتشرت الوصية بين الشيعة ، فقالوا : إن الإمامة تنتقل من الآباء إلى
الأبناء ، وليس من الأخ إلى الأخ - بعد أن انتقلت من الحسن إلى الحسين - فالأب ينص على ابنه في حياته ، وليس بالضرورة أن يكون الابن الأكبر ، فالإمام يستطيع أن ينص على أي ابن له ، فهذا أمر يخصه وحده ، لأنه يتلقى علمه من الله عز وجل ( 1 ) .
* هامش *
( 1 ) أحمد مختار العبادي : دراسات في تاريخ المغرب - الإسكندرية 1968 ص 53 - 54 ، =>
ص 182
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القرآن الكريم ، إنما قد أجمل الخطوط العامة لأصول الحكم الإسلامي ، الذي هو أهل لحفظ وحدة المسلمين ودوام هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، وتجنيدهم أبدا " في معركة التقدم والرقي ، وصونهم من الزيغ والضلال .
ثم جاءت السنة النبوية ، ففصلت ما أجمله القرآن ، وتلك قاعدة عامة في تشريع الأحكام الإسلامية : القرآن يقرر أصل الحكم ويجمله ، والسنة تفصله وتنفذه ، والتفصيل في هذا الأمر ، إنما هو تعيين الكف ء لمنصب الإمامة بعد سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ليكون مرجع المسلمين وقدوتهم ، في صراط الإسلام المستقيم . ومن هنا يتبين أن منصب الإمامة لا يتعين إلا بأمر إلهي ، فالإمام - بصفته مرجع المسلمين ، ومنعقد طاعتهم وقدوتهم في أمر الدين والدنيا - يجب أن يكون حامل علم النبي صلى الله عليه وسلم ، علم الوحي والأوامر الإلهية ، فمنصبه في توجيه المسلمين ورعايتهم خطير .
وقد عرفنا أين آلت الإمامة ، وكيف أصبحت ؟ لما فوض المسلمون أمر اختيار الإمام إلى أنفسهم ، حتى تقمصها الخلعاء والفساق والفجار والجهلة والسفاكون ، وأصبحت الخلافة وراثة كسروية قيصرية ( 1 ) .
روى البخاري في صحيحه ( باب هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء ) ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال : أخبرني جدي قال : كنت جالسا " مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ومعنا مروان ، قال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدوق يقول : هلكة
* هامش *
=> وانظر عن الخلافة الفاطمية ( عطية مشرفة : نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين - القاهرة 1948 ص 68 - 82 ) .
( 1 ) السيد هاشم محسن الأمين : مقدمة كتاب : الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 . ( * )
ص 183
أمتي على يدي غلمة من قريش ، فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة ، فقال أبو هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت ، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان ، حين ملكوا بالشام ، فإذا رآهم غلمانا " أحداثا " ، قال لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم ، قلنا : أنت أعلم ( 1 ) .
وبمرور الأيام أصبح تعيين الخليفة في يد خدم البلاط ومماليكه وإمائه وجواريه ، بيدهم الحل والربط ، يعبثون بمصائر الإسلام والمسلمين ، رهنا " بشهواتهم ، والخليفة لعبة مبتذلة في أيديهم ، يختارونه اليوم ويخلعونه غدا " ، ويبايعونه الساعة ، ويسلمونه أو يقتلونه بعد ساعة .
هذا ومن حمل كتاب الله ، وعلم نبيه من آل البيت ، خائف يترقب ، أو محبوس يتعذب ، أو شريد غريب عن أهله ودياره ، وأعداء الإسلام يقتطعون أرضه قطعة قطعة ، ويقتلون أهله جماعة جماعة .
فاكتمال الدين إذن ، إنما كان في التبليغ ، تبليغ الرسالة كاملة ، فيها تبيان كل شئ يحتاج المسلمون إلى تبيانه وفيها معالم الصراط المستقيم إلى الفوز العظيم ، أعني اكتمال الدين ظل نظريا " ، لم يتشخض في واقع المسلمين .
وأما تفصيل السنة النبوية ، لما أجمله القرآن في موضوع الإمامة ، فقد حصل في حادثين عظيمين من حوادث السيرة النبوية الشريفة ، الأول : يوم غدير خم ، والثاني : أيام المرض الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه ، وفي كلا الحادثين كان التشديد باتباع أهل البيت وموالاتهم ( 2 ) .
ففي حديث الغدير يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ( 3 ) .
* هامش *
( 1 ) صحيح البخاري 9 / 60
( 2 ) الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 - 10 .
( 3 ) أنظر عن روايات مختلفة للحديث الشريف ( ابن حنبل : فضائل الصحابة 2 / 598 - 599 ، =>
ص 184
ثم هناك حديث الثقلين ، روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال : قام فينا خطيبا " بماء يدعى خما " ، بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ، ألا أيها الناس ، فإنما أنا بشر ، يوشك أن يأتي
رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أولهما ، كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل
بيتي ( 1 ) . رواه الإمام أحمد في المسند ( 2 ) ، والبيهقي في السنن ( 3 ) ، والدرامي في سننه ( 4 ) ، والمتقي في كنز العمال ( 5 ) ، والطحاوي في مشكل الآثار ( 6 ) .
وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن سعيد والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به ، لن تضلوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيها ( 7 ) .
* هامش *
=> السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 169 ، المستدرك للحاكم 2 / 129 ، 3 / 110 ، 116 ، 371 ، 533 ، كنز العمال 1 / 48 ، 6 / 83 ، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54 مسند الإمام أحمد 1 / 84 ، 88 ، 118 ، 2307119 ، 4 / 368 ، 370 ، 372 ، 5 / 347 ، الرياض النضرة 2 / 226 ) ( وسنشير إلى هذا الحديث الشريف بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة ) .
( 1 ) صحيح مسلم 15 / 179 - 180 ( بيروت 1981 ) .
( 2 ) مسند الإمام أحمد 4 / 366 .
( 3 ) سنن البيهقي 2 / 148 ، 7 / 30 .
( 4 ) سنن الدرامي 2 / 431 .
( 5 ) كنز العمال 1 / 45 ، 7 / 103 .
( 6 ) مشكل الآثار 4 / 368 .
( 7 ) صحيح الترمذي 2 / 308 ، وانظروا روايات أخرى للحديث الشريف ( صحيح الترمذي 2 / 308 ، 5 / 163 ،
كنز العمال 1 / 48 ، 6 / 390 ، ابن حنبل : فضائل الصحابة 1 / 171 ، 172 - 2 / 602 ، =>
ص 185
ويقول المحدث الفقيه ابن حجر الهيثمي ( 909 - 974 ه* ) أن لحديث الثقلين هذا طرقا " كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا " ، وله طرق كثيرة ، وفي بعض تلك الطرق أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ذلك ( الحديث ) في
حجة الوداع في عرفة ، وفي أخرى أنه قاله في المدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه قاله في غدير خم ، وفي أرى أنه قاله بعد انصرافه من الطائف ولا تنافي ، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في كل تلك المواطن وغيرها ، اهتماما " بشأن الكتاب العزيز ، والعترة الطيبة الطاهرة ( 1 ) .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أساس الخلاف في الإمامة بين الشيعة الإمامية وأهل السنة أمران .
أحدهما : - أن الإمام عند الإمامية ينال الخلافة بالوراثة أو بالوصاية النبوية ، على حد تعبيرهم ، أما غيرهم فيرون أن الإمامة تكون بالبيعة والحكم بالفعل ، وجمهور المسلمين لا يعتبرون حكم الملوك كعبد الملك وأولاده ، والسفاح والمنصور وأولادهم
وذريته ، خلافة نبوية ، بل يعتبرونها خلافة ملك ، والخلافة النبوية لم تتحقق إلا في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم ، ويأخذون في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون ، ثم تصير ملكا " عضوضا " أي يعض عليه بالنواجذ ( 2 ) .
ولست أدري لم بدأ العلامة أبو زهرة ( محمد أحمد أبو زهرة 29 مارس 1898 م - 12 أبريل 1974 م ) الملك الغضوض ب* عبد الملك بن مروان ( 65 - 86 ه* / 685 - 705 م ) وأولاده من بني أمية ، ثم أبو العباس السفاح ( 132 - 136 ه* / 750 - 754 م ) وأبو جعفر المنصور ( 136 - 158 ه* / 754 - / 77 م )
* هامش *
=> المسند 3 / 14 ، 17 ، 26 ، 59 ، 4 / 371 ، معجم الطبراني الكبير 3 / 63 ، 3 / 200 ،
مجمع الزوائد 5 / 181 - 182 ، 9 / 164 7163 ، 165 ، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 51 ،
المستدرك للحاكم 3 / 109 ، 148 ، أسد الغابة 2 / 13 ) .
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 7 / 7 - 8 ( دار الفكر - بيروت 1386 ه* / 1966 م ) .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 7 / 12 ، وانظر آراء أخرى في نفس الكتاب 7 / 7 - 21 . ( * )
ص 186
وأولاده ، من بني العباس ، مع أن بداية الملك العضوض إنما كانت على يد معاوية بن أبي سفيان ( 40 - 60 ه* / 660 - 680 م ) - طبقا " لنص الحديث الشريف ، فضلا " عن أحداث التاريخ ، هذا إلى أن معاوية نفسه - كما أشرنا من قبل -
إنما كان يقول : أنا أول الملوك ، وأن سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه ، إنما كان يحييه بالملك ، وليس بإمرة المؤمنين ، هذا إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ، إنما أطلق عليه لقب الملك ، وتابعه في ذلك ابن كثير ، بل إن ابن كثير يقول والسنة أن
يقال لمعاوية ملك ، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " .