|
هيئة للمعماريين السعوديين…
(1)
ثارت حفيظة المعماريين في المملكة بعد انتخابات هيئة المهندسين الأخيرة التي لم يكن للمعماريين حضور واضح فيها (حتى أن اسماء معروفة رشحت نفسها لمجلس الادارة الجديد ولم يفز أي منها نتيجة إحجام المعماريين في بلادنا عن المشاركة والتفاعل مع الاحداث التي قد تشكل مستقبلهم). والذي يبدو لي أن هذه الثورة "المؤقته" لن تؤدي إلى أي فعل يمكن أن يحقق اهداف ذات قيمة بالنسبة للوسط المعماري الذي ظل العقود الثلاثة الأخيرة يحاول أن يصنع لنفسه هوية واضحة دون جدوى، حتى أن المجتمع نفسه لا يعرف من العمارة إلا القليل (رغم اننا من اكثر دول العالم التي تبني) وكل ما يعرفه المجتمع عن المعماري هو أنه "مهندس" حتى أن ديوان الخدمة المدنية "هدد" مدارس العمارة اكثر من مرة بأنه إذا لم يتم تسمية خريجيها "مهندسين" فأن مسماهم ورتبهم الوظيفية ستكون أقل من المهندسين، أي ان ديوان الخدمة لا يعترف بما يسميه العالم اجمع "معماري" ويعتبره مهندس ولا نستطيع أن نلومه على ذلك فلا أحد يدافع عن هذا المسمى رغم أن برامج تعليم العمارة في العالم اجمع أطول من برامج الهندسة وهو ما يعني ان المعماري يجب ان يكون في مرتبة وظيفية اعلة لا اقل. وأذكر مرة أنني فوجئت بأن قسم العمارة الذي انتمي له كان يناقش تغيير مسمى خريجينا إلى "مهندس معماري" بسبب ضغوط ديوان الخدمة وكنت المعارض الوحيد في القسم للتغيير (مع تعاطف البعض طبعا الأمر الذي ابقى المسمى على حاله حتى يأتي الفرج بإذن الله)، إلا انني استشعرت الأزمة الكبيرة التي يعيشها خريجينا في مجتمع لايعرف عن العمارة الكثير ولا يوجد أي مؤسسة مهنية أو علمية (مع احترامي الشديد للجمعية السعودية لعلوم العمران الي لم تستطع فعل أي شيء) تدافع عنهم أو تسعى لبناء وسط مهني يحفظ حقوقهم.
(2)
ردة الفعل التي لمستها عند بعض المعماريين في اعتقادي انها ستنطفي مع الوقت لأنه من المعروف أنه لم يستطع الوسط المعماري بناء أي حضور له كل هذه السنين لأسباب عدة قد نأتي على بعضها هنا لكن يجب أن اوضح أن الفوز الساحق للمهندسين في الانتخابات الأخيرة (وكأن المعماريين غير موجودين) هو نتيجة لتخاذل المعماريين انفسهم، ومشاركتهم الضعيفة في كل كل شيء. ويبدو لي أن البداية يمكن أن تكون من فهم اسباب عدم الاكتراث الذي يبديه الوسط المعماري. يقول لي البعض ان المعماريين مصابون بالغرور الشديد فهم يرون أن كل شيء يجب ان يأتي إليهم لا ان يذهبوا له والدليل على ذلك انهم لم يستطيعوا بناء أي مؤسسة مهنية حتى انهم بعد أن اسسوا جمعية علمية لهم تحولت إلى مؤسسة "للوجاهة" لا للعمل والعلم حتى انها لم تستطع إصدار اي مطبوعة علمية (على عكس الجمعيات العلمية الأخرة في المملكة) وكل ما قامت به مجرد لقاءات سنوية لامعنى لها ولا فائدة مرجوة منها (وقد انقطعت هذه اللقاءات في الأونة الأخيرة ولله الحمد). ولو فكرنا في النقد الموجه للمعماريين نجد ان كثير منه على صواب، إذ يبدو ان هناك موانع ثقافية تجعل من المعماري ينحو إلى العمل الفردي ولا يرغب في التنظيم الجماعي والعمل المشترك لذلك نادرا ما تنجح النشاطات المعمارية في بلادنا. وعندما نقول "موانع ثقافية" فأننا نقد ان هناك موانع مجتمعية وموانع نتيجة لطبيعة اعداد المعماري وممارسته للعمارة ذاتها.
(3)
أذكر انني كتبت عدة مقالات في هذه الصفحة تتناول وضع المعماريين في المملكة حتى اني اتذكر عنوان لأحد المقالات كان اسمه (المعماريون الكسالى) وقد اثار حنق البعض فقط دون ان يثير غيرتهم أو يدفعهم للعمل، كما انني اذكر اني كتبت عن "هيئة للمعماريين" في كثير من المناسبات دون مجيب ويبدو أن المعماريين ينتظرون من يعلق لهم الجرس فهم يرون انهم في غنى عن بذل الجهد والمثابرة والتحاور مع إولي الأمر للوصول إلى نتيجة تجعل من تأسيس هيئة منفصلة عن هيئة المهندسين تهتم بالعمارة وبالمعماريين اسوة بكل الهيئات المعروفة على مستوى العالم، مثل المعهد الأمريكي للمعماريين Aia وقد تأسس قبل مئة وخمسين عاما، والمعد الملكي البريطاني للمعماريين Riba حتى ان كل دول العالم تقريبا اصبح لديها مؤسسات مهنية في مجال العمارة. وهو ما يجعلنا نصر على ان فكرة تأسيس هيئة للمعماريين السعوديين تمثل مطلبا ملحا لبلد يخطو خطوات واسعة نحو التطور والنمو مثل المملكة، إذ لم يعد مقبولا أن يظل المعماريين تحت مظلة هيئة المهندسين بينما هم يختفون عنهم في مبادئ اساسية. وحتى لا يظن البعض ان هذا الطلب الذي هو لمجرد "غيرة" من هيئة المهندسين ومحاولة للإستقلال عنهم دون وجه حق لابد أن نبين هنا أن هناك حاجة اساسية لتأسيس هيئة مهنية تعنى بالعمارة من اجل المحافظة على هذه المهنة وتاطويرها لأنها ببساطة تمثل واجهة حضارية وثقافية لكل بلد. بالنسة لي اعتقد انه يكفي ان نعرف ان مهنة العمارة ذات بعد ثقافي واجتماعي عميق لا تحضى به المهن الهندسية ذات الصبغة العملية "البراقماتية" البحته كي يكون لهذه المهنة هيئتها ومؤسستها المهنية الخاصة بها.
(4)
ويبدو أنه من الافظل الاسترسال في الفروق الجوهرية بين العمارة والهندسة (بكافة تخصصاتها) ولنبدأ من التعليم حيث يتم تنشئة المعماري تنشئة مختلفة عن المهندس فنحن لا نعتبر العمارة ذات بعد هندسي مطلق لأنها تخوض وبشكل اساسي في تخصصات "لينة" مثل التاريخ فالمعماري الذي لا يملك خلفية تاريخي لا يمكن ان يكون مبدعا (لذلك فأن كليات العمارة غالبا ما تقدم اربع أو اكثر مواد في مجال التاريخ) كما ان العمارة تهتم بعلم الاجتماع وتحتاج إلى علم النفس وتغوص بشدة في علوم الجماليات إضافة للعلوم الهندسية الاساسية في مجال البناء. كما تعتمد تنشئة المعماري على "الاستديو" وهو ثقافة تتقاطع فيها كل العلوم مع ترك الحرية الابداعية للمعماري الشاب أو طالب العمارة كي يدمج كل هذه المعارف المتقاطعة في بوتقة واحدة، وهو ما لا يحدث في التعليم الهندسي الصارم المبنى على مناهج واضحة ومحددة (قابلة للتطوير والتفسير طبعا). وما اود ان اصل إليه هو ان فلسفة التعليم ومنهجيته تختلف في العمارة عنها في الهندسة وأن تنشئة المعماري تختلف بشدة عن تنشئة المهندس فكيف إذن نتوقع أن تقوم هيئة مهنية بالمساهمة في تطوير مهنة العمارة بينما يهيمن عليها ويديرها (ومنذ تأسيسها) مجموعة من المهندسين الذين لا يعرفون ماذا يجري في عالم العمارة. ومسالة التعليم من وجهة نظري تكفي كي يكون هناك سبب لتأسيس هيئة منفصلة للمعماريين، ومع ذلك هناك اسباب جوهرية أخرى ترتبط بطبيعة مهنة العمارة ذاتها التي تختلف عن الهندسة، فمثلا يتجاذب العمارة الفن والتجارة. وعالم الفن في العمارة عالم فسيح ترتكز عليه كل المنجزات الحضارية للشعوب ودون وجود مؤسسة مهنية تحمي هذا الفن وتدفعه للتطور ستخسر بلادنا فرصة كبيرة لاستثمار مواردها في عمارة ذات قيمة. ولعل القارئ الكريم ينظر حوله ويقيم المنتج المعماري الهزيل التي تحمله مدننا. انه ما نشاهده في اعتقادي نتيجة لغياب المؤسسة المهنية التي تحمي العمارة من ايدي العابثين. أما في الهندسة فلا يوجد ذلك المنتج البصري المهم الذي يخوض في مسائل الجمال والثقافة والهوية وهو فرق اساسي لا اعتقد ان هيئة المهندسين تفهمه وتقدره حق تقديره مما يعني انها لن تهتم به (وهو ما حدث طوال السنوات الماضية).
(5)
ولو حاولت ان اعدد الفروق بين العمارة والهندسة لقلت بإيجاز انهما ينتميان إلى عالمين مختلفين وإن كانا يتقاطعان في بعض القضايا "النفعية" و "التشغيلية" فالعمارة تتعامل مع الانسان وحياته اليومية وبدقة متناهية كما انها تحاول ان تستجيب للتغيرات والتحولات التي تمر بها المجتمعات سواء القريبة المدى منها او تلك البعيدة المدى ويفترض من المعاريين ان يخوضوا في التقنيات الجديدة والعالية كي يطوعوها إنسانيا لا هندسيا وهو فرق اساسي يضاف للفروق الكثيرة التي تفصل العمارة عن الهندسة وبالتالي تستوجب تأسيس هيئة للمعماريين السعوديين. إذ يبدو أن العمارة تمثل "فعل" إنساني تاريخي تقاطعت فيه ومن خلاله تخصصات متعددة بما فيها العلوم الهندسية لكنه اكبر واشمل من يحبس في تخصص بعينه ولعل هذا ما يجعل تطوير التعليم المعماري بحد ذاته معضلة كبيرة لا اعتقد ان هيئة المهندسين قادرة على تحملها.
(6)
أما الأمر الآخر الذي يمكن ان نجد فيه اختلافا واسعا وكبيرا بين العمارة والهندسة هو طبيعة السوق المهنية فالمعماري يتعامل بشكل اجتماعي مع زبائنه وغالبا ما يعيش معهم جزء من همومهم ويشاركهم اسلوبهم في الحياة إذا كان يصمم مسكنا (والواقع يقول ان اكثر من 70% من العمارة في تصميم المساكن)، كما انه يبذل جهدا كبيرا لتحويل اللفظي (طلبات وامنيات الزبون) إلى بصري مادي (سواء عن طريق التصميم أو البناء الفعلي) وهو بذلك يصنع فنا للحياة واقصد هنا انه يفترض منه ان يصنع عملا فنيا ليس للمشاهدة بل كي يعيش فيه الناس، وهي مهمة صعبة وتستوجب الكثير من التركيز وقبل ذلك كثير من التأهيل وهو ما يفرض وجود مؤسسة مهنية تعنى بهذا التأهيل الذي يختلف في العمق ومن الجذور عن التأهيل الهندسي. والحقيقة انني لااريد ان استرسل كثيرا في ما يفرقنا عن مهنة الهندسة وإن كان هناك ما يجمعنا بها، إلا ان ما يجعلنا مختلفين في اعتقادي اعمق واهم وهو الامر الذي يجعلنا نشجع استقلالية المعماريين عن المهندسين، فهذا الاستقلال مسألة حيوية وقد تعبنا من هيمنة المهندسين الذين لم يقدروا ولن يقدروا مهنة العمارة حق تقديرها.
(7)
أنها دعوة لكل المعماريين في المملكة كي يتحركوا وكي يطالبوا بشيء من الاستقلال المهني فالمصلحة تصب في النهاية لبلادنا التي تتطلع لبناء مؤسساتها المهنية والمجتمعية لتواجه "العولمة" ومنظمة التجارة العالمية. فوجود مؤسسة للمعماريين فيه نوع من الحماية لهذه المهنة بعد انظمامنا لمنظمة التجارة، واتمنى من الزملاء المعماريين المتحمسين بعد انتخابات هيئة المهندسين ان يستمر حماسهم لا ان يخفت ويموت مثل كل مرة وينتهي الأمر على "لاشيء"، لذلك فاني ارجوهم ان يخيبوا ظني هذه المرة وأن يفعلوا شيئا "على عكس ما اتوقع" وبالتأكيد سأكون في اشد حالات السعادة إن هم خيبوا توقعاتي.
__________________
إذا أردت أن تتعرف على شعب ما فابحث في عمارته
|