ما يلفت النظر في هذا الجزء ان الجادرجي أعطى لمواقع مهمة من بغداد أهمية استثنائية، مثل شارع الرشيد، الذي أعطى أهمية استثنائية ليس لبغداد كلها،وانما لأي عمل معماري ينشأ بالقرب منه، وهكذا جرى التعامل الحذر مع منشآت شارع النهر، وشارع البنوك، ومن ثم السوق العربي، اضافة الى التجديدات التي لحقت بساحة الميدان وهباب المعظم، وما احتوته ساحة التحرير، ثم التكوين المعماري لشارع الجمهورية الموازي لشارع الرشيد، ولم يقف الأمر عند، هذا الحد، بل أن شارع السعدون الذي يعتبر امتدادا وحيدا لشارعي الرشيد والجمهورية قد أخذ هو الأخر هوية شارع الرشيد. لذلك كان على أي مهندس معماري مكلف ببناء وزارة أو مؤسسة بالقرب من هذه البؤرة المكانية الخلاقة أن يأخذ بالحسبان أهمية شارع الرشيد المعمارية والاعتبارية - سنفصل رؤيتنا لشارع الرشيد في مقال مستقل -.
النتيجة التي استخلصها الجادرجي من التعامل مع شارع الرشيد هي: اعتماد التيجان للأعمدة والبالقون الذي يبرز الى فضاء الشارع،وقد تداخلت معهما: الحوش وا سيجته الخارجية والطاق وفاعلية الأقواس، والمشبك الحديدي للشبابيك، اضافة الى المقرنصات الخشبية - ولكل مفردة من هذه المفردات جذور تاريخية وتصميمية، وما احتواه شارع الرشيد من بيوت قديمة "بيت ليخ، وبناية دار كرابيت، ومديرية النفوس، ودار ياسين الخضيري، وسينما الزوراء، والبناية التي سكنها المندوب السامي البريطاني ( مسز بيل (- تحولت الآن الى منتدى المسرح التابع لمؤسسة المسرح والسينما - والفندق المركزي في حافظ القاضي، اضافة الى عدد كبير من المقاهي - الزهاوي والبلدية وعدد من الفنادق. أمكن القول ان العمارة التي احتواها شارع الرشيد كانت الرافد المعاش لتطوير العمارة العراقية لاحقا. ومستقريه انجازات الجادرجي والمعماريين العراقيين يجد أن المسعى كان ينصب على الجمع بين "المطلب الاجتماعي والوضع التقني" وقد فصل الجادرجي جذور هذه الفلسفة في انجازات مهندسين عالميين منهم "تلفورد وباكستون وايفل الذين يرون ان الشكل يتبع الوظيفة، وهناك من يرى أن الشكل يجب أن يتوفق مع المتطلبات الانتاجية - أي التكنولوجيا المتقدمة لعصر ما، والمنادون بهذا الاتجاه الفرنسي أوجن ايمانويل فيوليه الذي بشر بمبدأ العقلانية، والذي كان حصيلته التأثير المباشر بكوربوزيه الا أن الجادرجي لا يقف عند أعتاب المقولات لينقلها عمليا بل يخضعها الى مخبرية خاصة يغير منها وفيها كلما قادته العملياتية الى بروز ظاهرة جديدة، وهكذا نشأت لديه ظاهرة الجدار الملتف وهو خلاصة العمارة الشعبية من أزقة بغداد وللعمارة الاسلامية - المدرسة المستنصرية، واستطاع في "الجدار الملتف " أن يصوغ رؤية جمالية ذات ايقاع بصري وفني وزع بموجبهما الجدار الى ثلاثة أجزاء، وقد اختص كل جزء بايقاع فني خاص فيما يخص الشرفات والشبابيك والقطع البارزة والفتحات، ولو دققنا النظر في المؤثرات التي جمعت في هذا السياق العراقي لوجدناها، مؤثرات دينية وفلكلورية وأوروبية ويونانية، وكنائسية ونحتية، ولها من التقسيم الجغرافي، خط الموصل / حلب، وخط بغداد / البصرة، وخط البحرين الخليج وجود هندسي وتراثي غني.
يتحول فصل الممارسة والتجربة عند الجادرجي الى فعل بحت وتقص وتدقيق فقد ألفى الكثير من طروحاته القديمة فيما يخص الشكل والنفعية والوظيفية وجعلها موزعة على اكتفاء العنصر التكويني، فلكل عنصر شكله ووظيفته وليس شرطا ان يكون مجموع الأشكال والوظائف منسجمة، هنا تحولت فاعلية التصادفية التي اعتمدها في الجدار الملتف الى بحث في ماهية الشكل الفني، لعل اهتمامه بالفن التشكيلي أتاح له رؤية متعددة لمعنى الشكل الفني الذي يتغير تبعا للمساحة، وللمحيط، ولم ينس وهو يمارس المطلب الاجتماعي والتقني مضافا اليه الخبرة والممارسة، وخلص الى القول أن ا لعمارة في العراق لا يمكن ممارستها إلا كعمل تجريبي ص 309. وهذه نتيجة مؤلمة حقا لاسيما وأن الكثير من الخبرات الميدانية قد ذهبت سدي ولعل دور السلطات القامعة والغبية أحد أهم
الأسباب وراء ذلك، اضافة الى أن مبدأ التراكم في مجال المعمار بقي فرديا ومحددا بأطر انتاجية هي الأخرى فردية: وزارة، متحف، نصب، بناية..الخ. ولم تأخذ الدوائر المعنية هذه الخبرة المتراكمة لحصيلة فكرية وفنية و:سعة للتطوير. ولم يخف الجادرجي مخاوفه من أن يصبح الشكل مهنة لغير المتدربين، خاصة أذا ما اعتمد كتقنية حكومية، أو كمفهوم شائع، لما جوى التعامل لاحقا مع الأقواس بشكل عشوائي، وفي بلد مثل المراق، المتغيرات فيه أكثر من الثوابت، والأمزجة لها دور قيادي يصبح التعامل مع الأشكال المتداولة سمة اجتماعية تغذي من جانب جماعية الطابع الوظيفي العام للمبنى، وتصبح من جانب آخر لغة اعتبارية للوجاهة. ولذلك يصف ألجادرجي أعماله بأنها "اجراء تجارب على الشكل بقصد صهر التراث صهرا بدمجه في الشكل المخلوق وعلى نحو يتصاهر التراث فيه مع المفاهيم الحديثة " ص 313 وعاد ثانية ليؤكد أن على الشكل أن يصاهر التراث، والمسألة كما يبدو أن الثقافة الغربية في مجال المعمار هي الفعل الضاغط على كل اجتهادات معماريينا، وهذا ما جعلهم يبحثون عن هويتين: هوية ذاتية، وقوية وطنية، وكانت تجربة اليابان وايطاليا (كيكوتاكي.. سكاربا) واحدة من النماذج التي خرجت على ألمألوف الغربي في العمارة. ولم يقف الأمر عند فاعلية التأثير العشوائي بل أن أبنية عربية قد نقلت تصميماتها الى أبنية دينية في بغداد بحيث أصبحت بعض الجوامع قطعا من بلدان أخرى، وخلال فصل الممارسة الذاتية والجماعية شخص الجادرجي عدة اتجاهات تجريبية سادت العمارة في العراق، أبرزها الاتجاه الغروتسكي الذي يستعمل خليطا من العناصر التراثية والشعبية بصورة عشوائية ص 316. وقد بنى فيه الكثير من البيوت والدوائر. ومارسه عدد من المهندسين الثانويين بطريقة لا تدل على ثقافة أو خصوصية - جامع الامام الأعظم، أو"الاتجاه العادي" وجامع أبو يوسف، والى جانب ذلك شخص الجادرجي اتجاهات التحديث في العمارة العراقية وسماها بـ"الاتجاه المؤذي، والاتجاه التجريبي المحلي، والاتجاه الدولي البارع ". ويعكس هذا التعدد في الاتجاهات مدى التخبط الذي تعيشه العمارة العراقية في العقود الماضية التي سمحت بالتدخلات اللامنهجية من قبل بعض المنفذين في السلطة أو من قبل بعض المنفذين هن المعماريين، اضافة الى الاتجاه الشعبي الذي يفرض ذوقه وتوجهاته.
في مجال التراث والالتزام، وهو من أمتع فصول الكتاب، يعالج الجادرجي ليس التداخل بين الموروث والحديث في العمارة، وانما يعالج الموقف الفكري والثقافي وراء كل دعوة، سواء لحانت تغلب المعاصرة أم تلك التي تغلب التراث ووقف الجادرجي موقفا نقديا من كل الاتجاهات التي وضح خطوطها، كما وقف موقفا نقديا من التراث نفسه، ونادى بالأخذ المدروس منه، فالمجتمع الذي لا يتفاعل مع التراث لا يجيد تحديد زاوية الاستفادة، وكانت نظرته الى التراث نظرة فاحصة ولكنها ليست انتقائية، بل موقف اجتماعي ص 365، ولما كان المخزون التراثي للعراق يعتمد على سلسلة من المضمارات: السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والساسانية والسلوقية، والفرنية والحضرية، والعباسية، والصفرية وأخيرا العثمانية ص 365، ولذلك يتعين على المعماري أن يتقن وفق مبدأ فني، جمالي الكيفية التي يدخل فيها المعالم التراثية في العملية الانتاجية. ولن يكون الموقف سهلا للمعماري لاسيما في بلد تتضارب فيه الأهواء والمشارب وتصبح المحلية أحيانا سيفا أمام التقدم، أو أن تصبح المعاصرة فيه الغاء للمحلية، فالمحلية عليها أن (تغير موقعها في توازن التطور) ص 378. إلا أن هذا التغير قد يكون شبه مفروض بحكم الآلية الاقتصادية والمادية والمعمارية التي تمارس خططها دوليا، حيث إن تقدم العالم التقني لا ينتبه دائما الى متطلبات المحلية. من هنا توجب على المعنيين بالمحليات والخصوصيات القومية ايجاد الحلول المناسبة للتماسك بين المحلية المتطورة والعالمية، واذا كانت المحلية يرافقها دائما هاجس التفرد والخصوصية الذاتية للمعمار، فإن العالمية توفر هاجس الحس الجمالي المتطور والمستفيد من التقنيات الحديثة في المعمار وفي التخطيط، وفي بلد مثل العراق الذي شهد تقلبات سياسية واقتصادية كبيرة وسريعة، ليس من السهل الثبات على تيار واحد، هذا ما عالجه المؤلف بوضوح في فصل المكلاسيكية والأسير، وفي فصل الاستشارة، حيث وجدنا فاعلية المهندس المعماري الفرد في إطار من التداخل بين ما هو سياسي وما هو معماري كما حدث في فترة الاحتلال الانجليزي للعراق، عندما ساد مفهوم "لويد" في العمارة فبنى عدة بيوت ومؤسسات لم تتح لغيره في الفترات اللاحقة. كما كان دور الأسطوات المحليين -الأسطى حمودي - مثلا واضحا في العمارة ولهذا الرجل أكثر من شاهد معماري ما يزال قائما دلل فيه بوضوح على أن الذاتية والخبرة المعملية الميدانية قد يفوقان التصور الهندسي أحيانا، إلا أن الأسطى حمودي وسراه كانوا اذ يخططون وينشئون البنايات يحدوهم هاجس توظيف التراث بما يتلاءم والبيئة العراقية بطريقة ذوقية عامة. وهذا ما جعل الجادرجي يفرد لهذا المهندس الشعبي حضورا ليس في ذاكر ته، وانما في ذاكرة التاريخ المعماري للعراق.
كاتب هذا المقال هو الاستاذ : ياسين النصر وهو باحث وناقد عربي من العراق مقيم في هولندا ، ولتأكيد المرجع فقد تم نقله من الرابط الموجود هنا