عرض مشاركة واحدة
قديم 29-04-2004, 02:22 AM   رقم المشاركة : [7 (permalink)]
فيصل الشريف
مشرف عام
الصورة الرمزية فيصل الشريف
 

فيصل الشريف

يتطلع رفعة الجادرجي الى البيت العراقي تطلعه الى الوطن، ويريد من هذا البيت أن يحمل هويته، وان يصبح الساكنون فيه قوما لهم وجود فاعل ليس من خلال تراثهم فقط، وانما من خلال حاضرهم، لذلك يشعر القاريء بالنغمة المتحمسة في ثنايا الكتاب لأن يجعل من البيت وطنا معاصرا. وبالطبع فالجادرجي ليس فيلسوفا ظاهراتيا يريد تجريد المكان - البيت - من ماضيه ومن صوره المترائية يوميا والمتجددة، وانما هو مهندس معماري بحس وطني، وتراث قومي يمتد عبر العصور وبأ فق معاصر، لذلك كان البيت عنده نقطة تحول كبرى في توظيفه للمفهومات المعمارية الحديثة، وفي الوقت نفسا ليجعل منه أفقا حدا ثويا غير مقلد. لذلك نجده وهو يجوب في آفاق المعرفة المعمارية والفنية يقتنص كل مفردة ذات معنى، فبالأضافة الى جوامع بغداد وأرقتها وأسواقها وحاناتها ودورها التقليدية كان هناك دوكسيا دس اليوناني، وجواد سليم ومحمود صبري، وقحطان وغيرهم، وقد دخلوا جميعا معترك البحث عن هوية للبيت _ الوطن من خلال فن العمارة. قد يكون قولنا هذا من قبيل تحصيل حاصل للقراءة الخارجية لانتاج ثقافي أكثر منه لمعايشة واقع وشواهد مقامة على الأرض، فمثل هذا الاستنتاج صحيح، لاسيما وان رفعة حاول في كتابته أن ينتمي الى لغة معمارية وليس الى لغة أدبية، وهذا ما جعل كتابته تتحول من الترصيف الى التجسيد وقد اغتنت بالوثائقية والمرجعية، وتعمقت في اشتقاق المصطلحات وفي ترجمة الأخرى الأجنبية وايجاد معادل لغوي أو لساني لها، فالهوامش وهي كثيرة وغنية كانت دليلا آخر على تشييد كيان كتابي موثق يشابه الى حد بعيد الاستعارات الصورية التي وظفها في العمارة، ومن هنا فالجادرجي في الكتابة مبدع كما هو شأنه في البناء ولعل الكتاب بقسميه، سياحة منهجية، قد تكون اطلالتنا هذه قائمة على العلاقة بين المكان والعمارة.

-4-

ثمة تصاهر جدلي في عمل رفعة الجادرجي بين ما هو حضري، وما هو لا حضري، فالحوش بناء لاحضري "الحوش ليس سوى وضع اجتماعي معين " ص 149، لأن الحوش جزء من بنية القرية الزراعية ويتصل عيانيا بالراحة بعد التعب لذلك لابد من مسافة للنظر فيه، وهذا ما جعل الحيطان - الخصاص وأسيجة القصب والطين - إما أن تكون واطئة أو بعيدة. الحوش ماهر الا مكان يرتبط بحرية الحركة خارج الدار - مكان المنام -وعندما أتى به الى البناء الحضري اصطدم بالكلفة أولا، وبالمساحة ثانيا، وبالانتقال من الجلسة التعدية - من القعود - الى الجلسة الأرائكية - وهذا الانتقال استغرق وقتا طويلا كي يبدأ التآلف مع الوضع الحضري، ثم إن العراق كله بما فيه البادية كان يعتمد مفهوم الحوش والديوان،وهما مفهومان قديمان لذلك فالبنية المعمارية للمدن العراقية تعتمدها كجزء من تكوين ثقافي - اجتماعي، أما بعد ان أصبحت بغداد والمدن مرتبطة بتطور العمل وبالتقنية الحديثة لفعالية الشارع والمسكن، والتوزيع الوظيفي للخدمات أو العمل المتنوع والمجاورة بين سكان لا ينحدرون من جذر واحد. مضافا اليها طرق الماء والكهرباء والمواصلات والازياء وتطور المطبخ، والاهتمام بالزينة و...الخ. جعل من المدينة العراقية حلقة وصل متقدمة بين الجذر الزراعي، والمدينة الحضرية الناهضة.. لذلك شكل الحوش والباحة والرواق والمجاز، روافد نفسية أكثر مما هي بنى اجتماعية واقتصادية، ومع الحوش المحلي، كان مفهوم الجدار العاكس ص 152، واحدا من القيم المعمارية الجديدة، وفائدة هذا التصميم هو احتواء قدر معين من الضياء الداخل الى الدار مع تكوين بصري خارجي جميل. وحاول الجادرجي أن يجعل من الجدار العاكس مرآة للضوء الداخلي بنسب هندسية. هذه القيمة حضرية، وجديدة ولكنها تلاءمت مع بنية الحوش. ومن خلال هذين المفهومين: الحوش والجدار طور الجادرجي ثيمات عدة: الجدار الناتيء،والحيز المضي، والداكن، والجدار المرتد والمترس، وأدخل ذلك كله الى التفاصيل الداخلية للبيت: الموقد والستارة الجدارية المواجهة للمدخل، ثم الى خارج الدار: الحديقة وملحقاتها. والاضاءة والأوجار،وكل ما يتصل بالتكوين الجمالي الداخلي والخارجي للبيت. وفي العمق من هذا التأثير نجد موندريان يطل علينا من خلال مربعاته ومساحاته الملونة، ومع موندريان ثمة رؤية محمود صبري الخفية المتسمة بالواقعية: واقعية اللون وواقعية المساحة. اضافة الى فنانين ومعماريين آخرين.

النظرة الجدلية التي وظفها الجادرجي في مفهوم البيت البغدادي الذي يجمع بين الحضري واللاحضري، هي النظرة الاختلاسية، ومفادها أن الناظر الى الحوش حيث السعة المكانية تتم من موقع حصين. وغالبا ما يكون هذا الموقع غرفة النوم أو المكان المرتفع "الكفشكان، أو الكدي، أو الجدار المرتفع " والنظرة الاختلاسية لا تتحدد بأغراض ذاتية ومؤقتة، وانما ترتبط بالخمار، والبرقع، وبأقنعة الوجه القديمة، وبالخيمة، وذلك من خلال تأكيد مبدأ«تضييق الاتساع " الذي اتسمت به الخيمة في الصحراء الواسعة. فالخيمة موزعة الى خانات تفصلها ستائر وحواجز، وجعل للنساء مكانا وللرجال مكانا والمراسلة بين الاثنين تتم من خلال فتحات أو من خلال الصوت.. هذه البنية اللاحضرية جاء بها لاوعي المهندس المعماري وهو ينقل خصوصية البيت الأليف المرتبط بفاعلية العش والجنس الى البيت المعاصر. وعندي ان مسعاه هذا جاء من تداخل بين حضارة الشرق، حيث فاعلية الحرارة والسعة المكانية، وحضارة الغرب حيث الاقتصاد والعمل الوظيفي المركز، ومن خلال هذه المجاورة نمت روحية الانسان العراقي المتطلع بعين الى الامام، وفي الوقت نفسا مشدود بوتد مكاني وزماني الى التراث.

في محاولته لتطوير البيت لم يقف الجادرجي على تيم معينة، حيث نراه بعد أن استكمل مفهوم الحوش والنظرة الاختلاسية - الحريمية في الأساس - يعود هذه المرة للتقويس المكاني، فنراه يستعير الطاق. وهو ارث عربي _ فارسي انجز فيه أهم نصب للجندي المجهول في بغداد، وعلى مشارف العاصمة العراقية يقبع طاق كسرى بكل موروثه، وفي العمق من هذا طه تستعاد موروثات الحضارة الاسلامية في بناء الجوامع والأسواق والخانات والمحلات.. فالعلاق ليس الا احتواء للفضاء وجعله دائريا، ليشبه في ابعاده اقتناص لحظة زمنية - مكانية من السماء على الأرض، ولذلك اعتمد سابقا كجزء من السدود، سدود الري وتنظيم الزراعة فكان معبرا، ثم ارتفع به ليصبح معبرا آخر ولكن من تحته هذه المرة، وينظم الطاق اذا ما استخدم بنية محورية في البيت فاعلية الستائر والأضواء الداخلية والخارجية. وفاعلية الموقد والباحة.والديران. ويعطينا انطباعا بأنه ليس ثقبا في جدار، ولا نافذة يطل منها أو فيها، وانما هو تركيب روحي أشبه بالتأمل في الحواجز النفسية وخلال تاريخ استعمال الطاق، تحول من ثقب - "الحضارة البابلية والاسلامية » ص 187. الى معنى آخر، هو المعنى الديني، ويعني به احتواء قطعة من السماء -الأعلى - وتحديدها بأطر تشدها الى الأرض،وقد يكون ذلك جزءا من التقديس، لعل القبة بمعناها الديني ليست الا طاقا مغلقا".

في كتاب مرسليا الياد "المقدس والعادي" عثر على صور كثيرة للمكان المقدس بوصفه المكان الذي يحقق غرضا آخر غير الأغراض الاجتماعية، وغالبا ما يكون الفرض دينيا. ولما كان الانسان الديني لا يستطيع أن يحيا الا في جو مشبع بالمقدس فما كان منه الا أن نقل الكثير من التقنيات التي ساعدته على تقديس المكان الواقعي وهكذا تضمن البيت جزءا من بنية الجامع وبنية المعبد، وبنية الالهي على الأرض، ونجد مفهوم المقدس عند الجادرجي ينتقل ليس الى البيت فقط وانما الى العمارة، خاصة عندما وجد عند كوربوزيه ثيمات الشبابيك والأحياز المقوسة فعاد بجذورها الى كنيسة نوتردام دو او رونشام. وقد طور الجادرجي هذه المفاهيم النحتية بطريقة "تمويه المقاسات " أي أن التكوين العام للكتلة لا يدل على المقياس الحقيقي لمكونات الكتلة المادية. والخلفية لهذه الفكرة جاءت للجا درجي من فنية أزقة بغداد التي تميزت بصفة نحتية تعتمد علاقات تكوينية مبسطة وقليلة العدد ص 203 ومتكررة وثابتة، ولكن هذه التكوينات مختلفة من بيت لآخر، وبمجموعها تتألف للزقاق وحدة عضوية كما لو كان هذا الزقاق هو الانسان، أما ما عدا ذلك فالأشياء بما فيها المدرة فيه لا تشكل له أية اضافة. بنية الزقاق البغدادي لها خصوصية محددة وتكمن في أن البيوت تشكل وحدة مترابطة برغم انفراط أجزائها، ويعود الجادرجي بهذه البنية الى الحكاية الشعبية "ان الزقاق البغدادي ليس عقدا متسلسلا في تكوين موحد، انه منفرط الخرزات، لكنه في عين الوقت كالاقاصيص المتفرقة والمتوالية التي تتألف منها مسلسلة ألف ليلة وليلة لكل منها لونها ومذاقها، لكنها كلها مرتبطة بسلسلة التصور ومحصورة باستمرارية الحديث والتشوق للاستمرارية ص 204. وهنا ينقل الجادرجي مبدأ "الحكي" لا الحكاية الى فن العمارة. هل نعيد مقولة أرسطو في المحاكاة "ان لذة المحاكاة هي نوع من لذة المعرفة " "فن الشعر". وبما أن الزقاق البغدادي ذو تاريخ طويل فهو يمتلك عناصر مليئة "بالقوة الدافعة » ذات بنية حركية سواء ضمن الوحدة الصغيرة "البيت " أو ضمن الوحدة الكبيرة "الزقاق "، وقد عالج الجادرجي هذه الديناميكية في بناء العمارة كما في بناء البيت. وهذا الاختلاط بين نموذجين أحدهما وظيفي والآخر نفعي، أمكنه أن يولد لنا بنية عراقية معاصرة لنمط البيت، الا أن هذه البنية كانت غير شعبية، وذات تكلفة عالية، ان نماذج البيوت التي بناها هي لأثرياء بغداد، بمعنى أنه لم يستطع تطوير مفهوم سكنى شعبي للناس، وانما كان هدفه ينصب على تكوين عمارة ذات بنية حضارية متقدمة تعتمد الموروث الشعبي. فالأزقة البغدادية وان امتلكت خصوصية حركية وفعالية ديناميكية، انما كانت تنقل اليها ثلاث خصائص: الأولى ان سكنة هذه الأزقة هم الناس المنحدرون من الريف، ولذلك كانت أشياؤهم الخاصة معلنة الى الخارج. تعريض الملابس للحرارة الشمسية، المخاطبة من الشرفات، طريقة لعب الأطفال، المطبخ المفتوح الشبابيك، وغرف النوم المحتجبة والسرية. الخصيصة الثانية: ان الانسان الشعبي لا يفصل كثيرا - وبدون وعي - بين المكان المقدس - الجامع - وبين البيت. فكلاهما بؤرة مكانية للعبادة: الأول متجه الى الله والثاني متجه الى الأسرة والذات. وعليه فالخصوصية البغداية للزقاق خصوصية دينية مكثفة البناء متجاورة اللغة والتكوين متحركة وديناميكية. الخصيصة الثالثة للزقاق: هي احتواؤه على نغمة تطورية تتجه الى المدينة القادمة، لذلك كانت مفردات البناء من الحجر والطابوق والخشب والحديد. لكنها تحتوي على بنية داخلية ريفية.. هذه النقلة المراوحة بين الريف والمدينة جعلت ما هو شعبي ومقدس قابلا لأن يفجر رؤى وأشكالا جديدة والجا درجي بحسه المرهف، ونظرته الثاقبة كان يستطلع الأفق المستقبلي من المكونات الشعبية للعمارة العراقية البدائية والشعبية.

مرة أخرى لم تغب عن الجادرجي النظرة الاختلاسية من الزقاق. ولم يغب عنه العمق الديني للبيت. ولم يغب عنه كذلك الارث الحضاري الاسلامي والانساني المعاصر. كل هذه الروافد تداخلت بعضها مع البعض الآخر لتسوغ نظرية جدلية خاصة بتركيبة البيت داخليا وخارجيا. وكأنه يبني من خلاله وطنا لأناس شبه متشابهين. وهو إن ركز جهده "البيتي" على بغداد وحدها لم نجده يعمق هذا الجهد بطرز خاصة في البيوت التي تبنى من الحجر - بيوت المنطقة الكردية والموصل، ولا البيوت التي تبى من الطين والقصب كما في بيوت المنطقة الجنوبية. كما لم يطور نظرته الى البيوت التي بناها الانجليز وبخاصة مناطق شركات النفط ومحطات السلك والموانيء، والتي اتسمت بتهوية خاصة وبناء أرضية وجدران ذات طبيعة معمارية خاصة بها. خاصة بيوت المعقل في البصرة.

في القسم الثاني من الكتاب، يوضح الجادرجي مسائل أخرى ذات صلة بالعمارة، وبالتركيبة الاجتماعية والنفسية، وهو الجزء الذي احتوى على تسعة فصول،كانت في معظمها تتناول أفكارا قارة مثل "الحيز - الارائك - التصادفية - الجدار الملتف - الممارسة والتجربة - الكلاسيكية والأسير - الاخيضر وهدريان - الاستشارة ".

يتبع



التوقيع:


.. نحو ملتقى هندسي عربي هادف ..
فيصل الشريف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس