عرض مشاركة واحدة
  #37 (permalink)  
قديم 15-01-2004, 10:18 PM
الصورة الرمزية مهاجر
مهاجر مهاجر غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
المشاركات: 6,722
معدل تقييم المستوى: 53
مهاجر يستحق التميز
لماذا اللغة العربية؟

تعد اللغة العربية واحدة من أهم اللغات الحية في عالم اليوم، إذ يتحدث بها نحو 235 مليون نسمة، وتقع بذلك في المرتبة السادسة عالمياً من حيث عدد المتكلمين بها، فتتقدم من هذه الناحية على اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية والبرتغالية واليابانية. وتعتبر العربية من بين اللغات القليلة المعتمدة في هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التابعة لها.
و يقول الصحفي حسام شاكر من المعروف أنه توجد في عالم اليوم نحو عشرة آلاف لغة حية يتحدث بها بنو الإنسان، وتميل عدد من بقايا المجموعات الإثنية المندثرة إلى إحياء لغاتها البائدة لتكون شاهدة على هويتها وثقافتها، فيما تتجه أمم العالم الصناعي إلى نشر لغاتها في كل بقاع المعمورة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك المجهودان الفرنسي والإنجليزي في هذا الميدان، بل إنّ أنصار الفرنسية يخوضون ما يشبه الصراع ضد التعريب في عدد من بلدان المغرب العربي، ولا تتوقف آليات تلك المواجهة على برامج الأحزاب والقوى الفرنكفونية في مواجهة حملة الطرح الإسلامي والعروبي، وإنما تمتد للمؤسسات التي ترعى المد الفرنكفوني كالمعاهد الثقافية الفرنسية وغيرها، والتي تقوم بجهود واسعة من أجل نشر الثقافة واللغة الفرنسية، بل توفر تسهيلات مغرية للمثقفين العرب الذين يودون نشر أعمالهم بالفرنسية، فيما يكابد أولئك المثقفون الأمرّين عادةً عند محاولاتهم نشر أعمالهم بالعربية.
وتعتمد الدول الغربية على عدد من الركائز في نشر لغاتها وثقافاتها، تشمل تحديداً دور ملحقياتها الثقافية في دول العالم، ومؤسسات تعليم اللغات، كالمجلس الثقافي البريطاني British Council ومعهد غوتة الألماني Goethe Institut والمراكز الثقافية الفرنسية والروسية وغيرها.
هذا بالإضافة إلى بث المواد الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة، والمصنفات الفنية، فضلاً عن نشر ملامح الحياة الغربية وقيمها.

صحيح أنّ العالم يستوعب خليطاً عجيباً من آلاف اللغات، إلاّ أنّ عدداً قليلاً منها فقط يحظى بالنفوذ الحقيقي على ألسنة بني البشر. وهذا العدد القليل يتسم بالتدافع والتحرك بشكل ظاهر. فإذا عُدنا عدة قرون إلى الوراء، فإننا سنلمس نفوذاً واسعاً للغة العربية، يغطي أرض الإسلام التي كاد ألاّ تغيب عنها الشمس، بينما انحسر مع تضعضع الدولة الإسلامية شيئاً فشيئاً، حتى طوردت العربية في معاقلها باللغات الأجنبية وباللهجات الدارجة التي جرت مساعٍ مشبوهة لتقعيدها وإنزالها موقع الفصيحة !.
أما بالنسبة للغة الفرنسية فنلمح صعودها القوي منذ الربع الأول من القرن الثامن عشر، وقد تجسّدت منذ ذلك الحين كلغة للأدب والعلم والدبلوماسية.
وانتشرت الفرنسية مع حركة البغي [الاستعمار] الفرنسي في مناطق واسعة من العالم، وبخاصة في أفريقيا.
ولكنها أخذت بالتراجع منذ توقيع 'معاهدة فرساي' بعد الحرب العالمية الأولى، وضعف انتشارها شيئاً فشيئاً مع تفكيك قواعد البغي الفرنسي في الدول الفرنكفونية.
ولشعور المسؤولين الفرنسيين بالمستقبل القاتم الذي ينتظر لغتهم في أقطار العالم؛ اتجهوا إلى قبول عمل الشباب الفرنسي في تعليم لغتهم في الأقطار الفرنكفونية كمهمة تكافئ الخدمة العسكرية الإلزامية.
ويُذكر أنه قد تشكلت في البرلمان الفرنسي منذ سنوات 'اللجنة العليا للدفاع عن اللغة الفرنسية' التي تُعنَى بالحفاظ على نفوذ هذه اللغة و'درء الخطر' الإنجلوسكسوني عنها.
كان واضحاً إذاً أنّ تراجع اللغة الفرنسية جاء لصالح اللغة الإنجليزية التي تعتبر اللغة الرسمية لاثنتين من أكبر القوى المتنفذة في عالم اليوم [بريطانيا والولايات المتحدة].
إنّ انتشار الإنجليزية يعود أساساً إلى حركة البغي [الاستعمار] البريطاني، ولكنه أفاد كذلك من حركة العلم والتقنية والاقتصاد والدبلوماسية، التي عبّرت عن ذاتها غالباً بالإنجليزية، بينما يستمر تعزُّز مكانتها في ظل التوجه نحو 'العَوْلَمَة' Globalization، والتي يتوقع أن تعزِّز الثقافة الغربية - بصورتها الأميركية تحديداً - لتكتسي عباءة 'الثقافة العالمية'.
وفي المقابل نلمح كلاًّ من إسبانيا والبرتغال وهما يبذلان قصارى جهدهما للحفاظ على لغتيهما في أمريكا اللاتينية وبعض الأقطار الأفريقية، بل وفي المحافل الدولية.
ونشير أيضاً إلى الخسارة الكبرى التي مُنيت بها اللغة الروسية منذ تحلُّل المنظومة الاشتراكية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، ويحاول الروس جاهدين السباحة ضد التيار والحفاظ على ما تبقى للغتهم من نفوذ أمام اللغات المحلية، والغزو اللغوي الإنجليزي والألماني.

إنّ هذا 'الكفاح' اللغوي، والذي يكاد يتوازى معه ما هو سياسي وما هو لغوي، يفرض تساؤلاً مجدياً، عن الفرص المتاحة للغتنا الجميلة كي تنزل إلى الحلبة بما تمتلكه من تقنيات لم تتح لغيرها من اللغات، ومن أنصار على طول العالم الإسلامي يتحرّقون لإتقان لغة القرآن. إنّ على أبناء العربية أن يثابروا في تعزيز وجودها ضمن الدوائر الثلاث؛ العربية، والإسلامية، والإنسانية، وأرى أنّ أمامنا إمكانات مشجعة على ذلك، طالما توفرت الإرادة والمقومات، وتحقق الإعداد والبذل.

منقول من مفكرة الأسلام
رد مع اقتباس