" اووووه .. انه بول ، الن يكف عن اثارة دهشتي في كل عمل له ..! "
كانت هذه الكلمات تفيض من فم الدكتور الفرنسي فيكتور استاذ اللسانيات البارز في احد الجامعات الامريكية وهو يرى مجسم مشروع مطار شارل ديغول الذي صممه المعماري الكبير بول اندرو ، اذ كان يتابع باهتمام كبير مقالات بول الدورية في صحيفة اللومند الذائعة الصيت التي تتعمد نشر اعمال المعماريين الفرنسيين في مكان بارز من صفحاتها
وباعتزاز شديد ..!
يمثل بول نجما فكريا بارزا في عالم الاعلام الفرنسي ، وكثيرا ما تحظى كلماته الساحرة بخصوص ضرورة اعادة الدفء القديم للبيت الفرنسي باحترام الكثير من العائلات الفرنسية ، وعندما تحدث بول في احد مقالاته عن التأثير الايجابي لتصميم البيت على علاقة الازواج فيما بينهم استدعى ذلك ان يفرد مقالين اخرين متتابعين عن هذا الموضوع لحجم ردود الافعال المندهشة لما قال .
طبعا انا لايهمني ان يعيد بول اندرو الدفء للفرنسيين من خلال تصميماته ، الذي يهمني هو الحضور البارز لهذا المعماري في بلاط صاحبة الجلالة " الصحافة " وقدرته على جعل العمارة وتذوقها والحديث عنها متعة لشريحة كبيرة من القراء الفرنسيين تضارع في متعتها اخبار زيدان مع فريقه الاسباني و اثر اليورو على صادرات اللحوم الفرنسية .
هنا تبرز اهمية وجود اعلام معماري متمكن يستطيع ان يرفع من الوعي العام للمجتمع تجاه نظرته للعمارة من " كروكي " عند مكتب حقير الى عمل له ابعاده الفنية و الاقتصادية و الاجتماعية والنفسية ويلعب دور المرآة ينظر المجتمع من خلالها الى نفسها بلا رتوش او عمليات تجميل .
هذا الاعلام المعماري لا يمكن ان يأتي في ظل التقصير الكبير للمعماريين في تقديم انفسهم للمجتمع ، كثيرا ما اشعر ان المعماري يجلس في ركن معتم مقارنة بالمهندس المدني مثلا الذي احتل المناصب والسمعة والتقدير الاجتماعي بشكل يثير غيرتي .
ولو نظرنا للصفحات العمرانية الموجودة مثلا في صفحات الجرائد لوجدنا مثلا اناس غير معماريين يشرفون عليها ، وان كانو معماريين فيغلب عليهم عدم التأهيل الكافي واللازم للتعاطي مع الاعلام ومع جماهير القراء .
ومن خلال متابعتي لعدد من الصحف العربية بشكل جيد لم اجد سوى اثنين من المعماريين لهما تواجد مستمر وهما الدكتور وليد السيد والدكتور مشاري النعيم ، ولعل اكثر ما يعيب الدكتور وليد هو انهماكه في الحديث النظري لمجرد اكثر من تلمس هموم المواطن العربي البسيط .
اما الدكتور مشاري فهو من افضل الكتاب الذين تستمتع بثقافتهم العالية ، لكنه " نخبوي " في مقالاته ، ويحتاج الى تبسيط كلامه ولغته ومناقشة القضايا المعمارية بنبرة اكثر وضوحا ويحتاج الى الايجاز والمباشرة وعدم الاعتماد على المقالات الطويلة لانها قد تكون مملة لغير المتخصصين .
ومع ذلك فدروهما بارز وفعال ويحتاجان للدعم والتقدير ..
اننا بحاجة الى تشكيل ملامح اعلام معماري راقي ، وبحاجة الى تأهيل حشد من المعماريين للتصدي لهذه المشكلة وبحاجة الى ان ينزل المعماري من برجه العاجي للشارع ليرى بعينه هموم المواطن العربي ..
ما المانع مثلا ان نرى عدد اكبر من المعماريين في صحفنا ؟ ومالمانع ان نرى برنامجا معماريا اسبوعيا على احدى الفضائيات ؟ ومالمانع ان نرى معماريا يقوم بعمل معرض لاعماله في برج الفيصلية ويدعو اليها الجمهور ؟
الى متى هذا الصمت المخيف ..
الى متى ؟